الجزء 09
الجزء ٩ · صفحة ٢٠٣بالسؤال عنه، ولا باعتقاد السؤال عنه بغير دينونة، وإنما ينفعه العلم وحده، فما لم يعلم فهو هالك منقطع العذر؛ لأن الحجة قد قامت عليه بذلك من عقله، فليس له ترك الحجة في ذلك، وعقله عليه حجة.
وسواء اختلف العلماء في ذلك أو لم يختلف؛ فليس ينفعه إلا العلم وحده، وعليه معرفته، وقبول قول من عبره تصديقه، كان عالما أو مشركا، كان وليا لله أو عدوا له، وحجة الله تقوم بأعدائه فيما جعلهم الله فيه حجة فيه، كما تقوم بأوليائه، فانظر في هذا الشيء الخفي، كيف يهلك الخاطر بفعله ذلك، /128 م/ وكيف ينقطع عذره بذلك من عقله، ويكون محجوجا عند الله، وهكذا دين الله، وكله دقيق خفي على من جهله، وكله شيء واضح بيّن عند من علمه، والدين يسر، ولكن في الجهل أبواب عسر، وحجّة الله قائمة على من جهلها كقيامها على من علمها لا عذر في تركها، ولا في مخالفتها بعد قيامها، خالفها غيرها، أو لم يخالفها، فالمحق وحده حجة فيما هو حجة فيه، ولو خالفه جميع العلماء، فافهم هذا.
فإذا اختلف العلماء في شيء مما تقوم به الحجة من العقل، فعليه معرفة الحق في ذلك الشيء، وعليه معرفة المحق من أولئك العلماء المختلفين فيه، وعليه معرفة المبطل من العلماء من أولئك المختلفين فيه، وعليه أن يشهد للعلماء المحقين أنهم محقون، ويشهد على العلماء المبطلين أنهم مبطلون، ولا عذر له في الشك في شيء من ذلك. هكذا عندي أنه قد قيل: إن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله، ولا يسعه جهل معرفة الحق في ذلك ولا جهل المبطلين 128 س في ذلك، فانظر في هذه الأشياء كيف يقدر العوام معرفتها، ومعرفة أحكامها، إلا من هداه الله.