الجزء 09
الجزء ٩ · صفحة ٢٤٧وأما إذا وقف عنهم جميعا، فلم يتول أحد الفريقين، ولا يبرأ منهم؛ فيخرج في معاني قول أبي محمد بن بركة: أن ذلك جائز له، ولازم له، حتى يعلم المحق من المبطل، ولم يجز له أن يجمع بين الفريقين في ولاية، ولا في براءة، إذا كانوا يخطئون بعضهم بعضا.
وكذلك قول أبي الحسن البسياني، كنحو قول أبي محمد، وأنكر على أبي سعيد قوله في ذلك، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب هذا. 160 س
وأما أبو سعيد فيقول: إنّه لا يسعه الوقوف عن الفرقة المحقة من العلماء، ولا ترك ولايتهم، هم الحجة في ذلك على من خالفهم، وعلى من جهل حقهم، وهم حجة الله، القائمون بدينه، الذين جعلهم الله شهوده وحكامه في ذلك الشيء، وأنّه لا تزول حجة الله لمخالفة من خالفها، وأنّ المخالفين لهم كفار ضلال، سفهاء، يعلم ذلك الله، وأولو العلم بذلك الشيء من غير مختلفين فيه، وقد تقدم القول في ذلك.
ومما يؤيد قول أبي سعيد أنّه لو أن هذا الجاهل رأى العلماء مختلفين في شيء؛ فبعضهم يقول: "إنّه حلال". وبعضهم يقول: "إنّه حرام"، وهو لم يعلم أن ذلك الشيء حلال، ولا حرام، أو علم أن ذلك الشيء محرم، ولم يعلم تحليله قط حتى يسمع العلماء يختلفون في تحليله وتحريمه، وكان ذلك الشيء مما قد سبق فيه الاختلاف بين العلماء بالرأي؛ فبعضهم يقول: إنّه حلال. بعضهم يقول: إنّه حرام؛ فقد قيل: إنّه ليس لهذا الجاهل، العالم باختلافهم أن يقف عن هؤلاء العلماء المختلفين، ولا يترك ولايتهم، يضللّهم، /161 م/ ولا يخطئهم، وعليه أن يجمع بينهم في الولاية، والتصويب، فانظر الفرق بين هذين الحكمين، ما أدقه وأخفاه عند من جهل الحكم فيه، وانظر الفرق البعيد بين حكميهما.