الجزء 09
الجزء ٩ · صفحة ٣٥٩حرم الله في كتابه، أو سنة رسوله، أو إجماع الأمة، لم يجز لأحد أن يحل ذلك، فيقول: "إنّ ذلك حلال"، فيكون مضادا للدين، وضد الدين هو غيره، وإذا كان غيره كان باطلا؛ لأن الله قد حرم أكل الميتة والخنزير والدم، وجميع ما ذكره في الآية على الإطلاق، فقال جل ذكره: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:3]، فلا يجوز لأحد أن يقول: "إنّ الميتة والدم ولحم الخنزير حلال مطلقا"؛ تحليل ذلك كما أطلق الله تحريمه فيكون مضادا لقول الله بقوله، لأن الله تعالى يقول: "إنّه حرم هذا"، فيقول هذا: "أنّه حلال"؛ فهو مضاد لقول الله تعالى بقوله(1)، إلا أن يستثني القائل أنّ ذلك حلال للمضطر، كما استثناه الله، فلا يكون حينئذ مضادا لقول الله، فكذلك إذا حرم الإجماع زوال الإمامة إلا بإجماع؛ لم يجز لأحد أن يحل زوالها في غير موضع الإجماع، فيكون مضادا للإجماع، مفارقا للدين؛ لأنّ الإجماع هو دين.
وقد جاء الأثر عن بعض العلماء، بإجازة زوال الإمامة بشيء خالفه غيره /234 م/ من العلماء، فلم يجز زوالها بذلك، وإذا وقع الاختلاف بينهم في شيء؛ لم يكن ذلك منهم إجماعا فيه، وإذا لم يكن إجماعا؛ كان المجيز زوالها فيما قد خالفه غيره فيه مجيز بزوالها في غير موضع الإجماع، فإن صح أن ذلك القول إجماع؛ لم يجز لهذا القائل أن يميز زوالها في غير موضع الإجماع، وإن جاز لقائل هذا القول؛ قوله لم يكن هذا إجماعا، هكذا عندي، والله أعلم.
وقد أزيلت إمامة عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، من غير إجماع من جميع أهل مملكتهما على زوال إمامتهما، وكانت إمامتهما ثابتة بإجماع، وقد حارب
(1) هذا في ط. وفي النسختين: يقول.