الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٢١واعلم أن الذنب شؤم المخالفة، ولو أن عبدا عمل ألف نافلة، والآخر لم يعمل شيئا إلا أنه ترك معصية واحدة؛ كان هذا أفضل من الأول؛ لأنّه أدّى فريضة وهي ترك المعصية، ولن تدرك النافلة الفريضة في الفضيلة.
وقيل: كل سفلة(1) يعمل الطاعة، ولكن الكريم من ترك المعاصي.
وقيل: عجبا ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء، فكيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار.
وعن سفيان الثوري قال: ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة.
وعن أحمد بن الحواري قال: بينما أنا في طرقات البصرة، إذ سمعت صعقة، فأقبلت نحوها، فرأيت رجلا قد خر مغشيا عليه، فقلت: "ما هذا"؟ فقيل: "إنّه كان رجلا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله - عز وجل -، فخر مغشيا عليه"، فقلت: "وما هي"؟ قال: "قوله - عز وجل -: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:16] ".
وقيل: إنّ هذه الآية كانت سبب توبة الفضيل بن عياض، وذلك ما حكى إبراهيم بن الأشعث، قال: كان مبتدأ توبة الفضيل بن عياض أنه خرج عشية مقطعة، وكان يقطع الطريق، فإذا هو بقوم معهم حمر عليها ملح، فسمع بعضهم يقول: "مرّوا مرّوا، ألا يفجأنا فضيل، فيأخذ متاعنا"، فسمع ذلك فضيل، واغتمّ وتفكر، وقال: "تخافني الخلق هذا الخوف العظيم"، فتقدم وسلم عليهم، فقال لهم وهم لا يعرفونه: "تكونون الليلة عندي، وأنتم آمنون من الفضيل"، قال: فاستبشروا وفرحوا، فأنزلهم، وخرج ليصلح علفا، فرجع فسمع قائلا يقول: {أَلَمْ
(1) زيادة من ث.