الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣الباطل، حيران في بيداء جهله ولم يصل؛ وإنى له بالوصول على هذا ما دام فيه لم يرجع عنه، وهو يزداد في كل لحظة عن بلوغ المطلوب بعدا.
فإن قال قائل: إن للمعارض بعد في المحاورة سؤالا ومناظرة لا بد من إبدائهما إليك في معرض السؤال جدالا، وإيرادهما عليك لمعنى الجدال سؤالا، وإن كان قد طال عليك في المساءلة الخوض في المجادلة؛ فكن فسيح الُّلبان، عريض الجنان، ولا تسأمن المخاطبة، ولا تملنّ المجاوبة؛ لكثرة المطالبة، حتى ترتفع الشبهة من كل وجهة، فتنجلي سدف(1) الغمة عن هذه المشكلة المدلهمة؛ ثم لا يكون لوضوح المحجة للمعارض ملجأ عن إلزام الحجة، وقد بقي له أن يقول: إذا كان الأمر في هذا كما تقول في الرأي الصحيح، والقول المختلف الصريح، فما معنى قولهم في الرأي أن المصيب فيه منهم للحق مأجور، والمخطيء له معذور، 228 س أما في هذا الأثر إحدى الكبر من الأدلة لأولي النظر.
على أن الحق في اختلاف الرأي من الفقهاء لا يكون إلا في واحد من الآراء؛ وإلا فكيف يجوز عليه الخطأ إذا كان كله على اختلافه حقا عند الله تعالى، بل هل يمكن ويجوز أن يكون حكم الشيء المختلف فيه كذلك معه في علمه حتى يكون صوابا كله عنده في حكمه، ألا فاهدني الصواب فيه؛ فإنه في مغانيه دقيق في مبانيه، عويص في معانيه؛ فقل ما أنت فيه قائل، فإني لك عنه سائل؛ وهذا آخر العهد مني؛ إمَّا لي وإما عليّ، وأنت في ذلك يا هذا كذلك، وعلى كل منا أن يقول الصدق، ويرجع إلى الحق؛ وأنا أرجو أن يكون الغلب بهذا لي؛ لأني
(1) السَّدَفُ: ظُلْمةُ الليل. وحكى الجوهري عن الأَصمعي: السُّدْفةُ والسَّدْفةُ في لغة نجد الظلمة، وفي لغة غيرهم الضَّوْء، وهو من الأَضْداد. لسان العرب: مادة (سدف).