قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 10

الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٣

منها، فنقول: إذا ثبت جواز هذا اللفظ كما أصلناه، فلابد من كشف معناه لتصحيح العقيدة، ودفع اللبس، ورفع الإشكال، فاعلم أن قول الفقهاء لاحق على الله لأحد من خلقه، هو قول صحيح بظاهر مفهومه؛ لأن الحق في عرفهم هو الواجب لزوما، والله تعالى منزه عن الإلزام والإيجاب.

وقد يكون الحق بمعنى الدَّين (بفتح الدال)، وذلك غير جائز أيضا، وقد يكون بمعنى نقيض الباطل، ولا معنى له في هذا المحل، فكان غير جائز على كل تقدير من هذه الوجوه، وعسى أن لمثل هذه العبارات قيل فيه بما فيه، والصواب أنه وإن كان لا لزوم عليه في شيء سبحانه، فإنما الحق في قوله عبارة عن كون قبلوه أو وعده حتما مقضيا لا غير، كما قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة:111]، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:47]، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم:71]، فكله سواء، وإنما قطع النظر فيها عن أصل الوضع لعدم اللبس اكتفاء بقرائن قواعد التوحيد، ولولا ذلك؛ لما جاز وصف الملك الحق بأكثر صفاته التي لا يوصل إلى فهمها إلا بالألفاظ المستعملة في خلقه، وبإجماع الموحدين المحقين أن تنقلها إلى صفة الله تعالى تنقل(1) عن أصل وضع معناها الذي ثبت في الخلق، فليس السمع كالسمع، ولا البصر كالبصر، ومن هلمّ جرّا في غيرها. وإذا ثبت هذا مع جوازه بالإجماع، واستقراره بالكتاب، وسنة النبي الأواب، فكيف لا يرد إليه حكم ما اختلف فيه من أمر التوحيد مع استقرار الإجماع برد كل فرع إلى أصله، أوليس هذا من ذاك؟! بلى والله، فهل تجحد الشمس في كبد السماء، أوليس هذا بالحق؟! قالوا: بلى.

(1) ث: تنتقل.

٤٬٣٠٢ / ٣٦٬٧٥٥