الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٤٣٣يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، فلا يصح أن يؤول معنى اللفظ أنه: "ومن يرد(1) عن ملة إبراهيم"، وإنما يصح أن يقال معناه: "ومن يمل بحبه وإرادته عن ملة إبراهيم"، فصح ما قلناه.
ومن الرغبة وقوة التلذذ بالمرغوب فيه؛ يتولد الشهوة، ومن الرغبة والإرادة والرجاء؛ تتولد العزيمة، فهذه خمس هن قسم المحبة، ومن الكراهية؛ يتولد القلى والبغض، وهما بمعنى واحد، ومن القلى والكراهية؛ يتولد الغضب، وهذه ثلاث من أقسام الكراهية، ومن المحبة للشيء والكراهية لفواته أو لما يكرهه؛ يتولد الخوف والرهبة والفزع، وهي بمعنى واحد، ومن المحبة والرهبة؛ تتولد الهيبة من المخوف، وهذه صفتان من الأبوين.
فإن قلت: إن المحبة هي الإرادة؛ قلنا: قد يمكن أن يسمح أحد برجل قد مات، ولا يعرفه ممن هو أنه من كرمه كذا وكذا، ومن سخائه كذا وكذا، ولا يعرفه أنه عدو لله أو هو وليّ، فيميل إليه قلبه بالمحبة، ولا يريد منه ولاية، ولا فيه شيئا.
وإن قلت: إن الكراهية هي القلى؛ قلنا: قد يمكن أن يكره المرء في الحال أكل شيء كان يحب أكله ولا يقلاه، لأنه يأتيه إلى بيته، ويبذل في شرائه أموالا له(2)، ولا يصح أن يريد شيئا لا يحبه، ولا يبغض شيئا لا يكرهه.
فإن قال: الحجامة قد يريدها المرء وهو يكرهها ولا يحبها؛ قلنا: أصله لا يحبها ولا يريدها، فلما كره الضرر في نفسه ورأى نفعها؛ أحبها فأرادها؛ لأنه