الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٣طاعته له فعصاه في ذلك، وطرده، فأمر بالرجوع إلى طاعته، فقال: "أما /166/ في هذا فلابد إن قتلتني وإن طردتني، وأما في غيره فليأمرني بما شاء سأفعل"، هل يكون طائعا؟! وهل يسمى شاكرا لذلك الإحسان؟! فهو الذي خالفنا فيه قومنا، قالوا: نعم، وقلنا: لا، والصحيح ما قلنا، ولا يقبل العقل السليم سواه، ودلّ أنّ من أدّى الطاعة لله بكمالها؛ فقد شكر الله، وكان من الصابرين والشاكرين، وكان خاضعا شاكرا(1) لله متواضعا؛ لأن حقيقة الخضوع التذلل بالطاعة، وكذلك التواضع والخشوع من معناهما، ومعناه معنى الاستكانة، وهي المبالغة في الخضوع والتواضع.
وأما الخشية: فهي الخشوع والتذلل مع قوة الرهبة والهيبة، والحقيقة في كل ذلك في الله، ولله، وهو أداء الطاعة بكمالها.
وأما التضرع، والابتهال: فمعناهما التبتل إلى الله في الدعاء والسؤال، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:61]، والتبتل: هو مبالغة التذلل إلى الله بأداء الطاعة.
وأما الذكر، والمراقبة: فالمراقبة معناها مقارب لمعنى المراصدة للنفس، متى نظر منها عيبا أزاله أو غفلة عن ذكر الله بما يجب عليه من ذكره والعمل به، وعما يلزمه أداؤه فيؤديه، وما يلزمه تركه فيتركه، ويكون قوي الحضور القلبي في كل أمر يريد أن يدخل فيه، هل هو جائز فيدخل؟ أو محجور فيتركه لا يغفل عن ذلك أبدا؟ فهذه هي حقيقة معنى المراقبة، وهي نقيض الغفلة، فإن كثيرا من الناس من لا يدخل في الشبهات إذا علم بها، ولكنه يدخل فيها بغفلة أو يظن أنه جائز،
(1) ث: خاشعا.