الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٧والثالث: الزهد في المحللات من غير إفراط: وهو بما يدرك به فضلا مع العمل بالوسائل.
والمثال في الإفراط، وهو تجاوز الحد بالمبالغة التي لا أجر فيها، كما أن التفريط في المبالغة في التساهل التي لا تليق بالمرء، كالغسل من النجاسة إذا زالت بالماء والعرك، ثم بالغ بعد ذلك في العرك، وقام من الماء، وذكر أنه لم ينو غسل النجاسة، بل نسي أنه كان به نجاسة في ذلك الموضع الذي بالغ في عركه باليد والماء، فأراد الغسل له ثانية على النية، ليحظى شرف النية؛ فهذا مما لا يحرم أجره، وإن عاود ثالثة، وقال: "هو نور على نور"؛ فليس هو نور، وإنما هو وسوسة من الشيطان بغير المحرمات ولا أجر له.
وكذلك إذا انتهى حد المبالغة في غسل النجاسة، ثم قال: "أزيدها كثيرا بعد ذلك"؛ فلا أجر له إذا صار في حكم الوسوسة؛ لأنه مأمور بتركها، وضربنا مثلا بالنجاسة؛ لأن إزالتها بالماء والعرك فيما يحتاج إلى [العرك لا يحتاج إلى نية](1)، وكذلك فيما قيل: إنه تنزه كثير من العبّاد من قبول عطايا الملوك الجبابرة، وأجازها بعضهم، فإذا أتى إليه برطب رجل، ليسه من أعوان السلطان، قريب بالنسب إليه، ممن يستحب له إدخال السرور بالقبول منه بشدة رغبته(2) في استعطافه إليه رآه أنه أخذه من ماله، ولكنه في أناء من أواني السلطان، فقال: "لا آكل شيئا حمل في أوانيهم"، وإذا أتاه برطب رآه أنه من ماله، ومحمولا في آنية من أوانيه، فقال: "عسى أن يكون هذا المال أصله كان حراما، وهذه الأواني أصلها من