الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٧أولئك المسلمين هؤلاء النّصارى، فلم يقدر عمر وأصحابه يكفّون الأذى عنهم، فصالحهم عمر والصّحابة على أن يتركوا أذاهم عن أولئك المسلمين، ويترك عمر حربهم من غير تسليم جزية؛ فرضي النّصارى الفريقان، ووفّى النّصارى لعمر بتركهم الأذى لأولئك المسلمين، ووفّى لهم عمر بترك الحرب، فظاهر هذا على خلاف التّنزيل؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29]؛ فكان معنى الآية معهم على الخصوص، حيث لا ضرر على أحد من المسلمين، فجاز ذلك بالإجماع /14 م/ الاجتماعيّ، وجاز لمن نزل بهذه المنزلة لغيرهم من المسلمين بالإجماع، ولا يلزم العمل به إلزاما بالإجماع، بل الرّأي يدخله، ويجوز فيه؛ لخلافه. فإن قيل: كيف يجوز الخلاف في الإجماع؟ قلنا: هو إجماع في جواز العمل به، لا في لزوم العمل به، فلا يجوز الاختلاف فيه على معناه وعلى ما انعقد عليه؛ فيقول برأي: أنه غير جائز ذلك.
فصل: في الوجه السّابع: إجماع في أنّه من الوسائل، وذلك مثل: سجدتي الشّكر بعد الصلاة المكتوبة، في التي تجوز صلاة النّفل بعدها، فبالإجماع أنّها من الوسائل، ولها دليل من السنّة؛ إذ في كتاب الأحاديث -الذي سنأتيه في الجزء السادس إن شاء الله تعالى- عنه(1) - صلى الله عليه وسلم - «أنّه كلّما أنعم الله تعالى عليه نعمة سجد لله تعالى معها؛ شكرا له جلّ وعلا»(2)، فإذا كان كذلك، فإعانة الله تعالى
(1) هذا في كتاب "تنوير العقول". وفي الأصل: غيره.
(2) أخرجه أبو داود بلفظ: «إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ بِه ِخَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ»، كتاب الجهاد، رقم: 2774. وأخرجه بلفظ قريب كل من: الترمذي، أبواب السير، رقم: 1578؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم: 1394.