الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٤٨٣وأما اسم الحكيم: فهو يخص من علم بالشيء وأحكم صنعه بأكمل صناعة فيه، والمثال في ذلك: أن العالم بقواعد حسن الخط وهو كاتب ليسه بأُمِّي، فيصح أن يقال: "هذا عالم بماهية حسن الحروف"، وما ينبغي أنها تكون صفتها كذا وكذا، ولا يقدر أن يصوّره بيده، وإنما نظره في كتاب، فتصوّر في عقله مثالاته(1)، ولا يصح أنه حكيم بتجويد كتابة الحروف، ومن أتقنها علما وعملا؛ كان فيها حكيما، فكل حكيم في شيء؛ فهو عليم به، وليس كل عليم بالشيء؛ هو حكيم فيه.
فإن قلت: قد يمكن أن يكون عالما بتجويد الحروف ولكن لا يكتب بل تارك لها، هلا يكون حكيما؟ فنقول: إذا كان في تركه ضرر عليه أو هو محتاج له، وفيه ارتفاع حظه، وتركه؛ فليس هو بحكيم في ترك ذلك؛ لأن الحكيم حقيقة معناه: المتقن الأشياء بأحكم وأكمل صفاتها، فصح أن معنى الحكمة هو ما قلناه، وهي مثل شخص كامل الحسن، وعليه من اللباس قدر الحاجة، وما زاد على ذلك من الزينة هو مثل قدرة العالم الحكيم على إبراز العلم من /170/ الشريعة والحقيقة بأوضح من إشراق نور الشمس على الآفاق في قلوب العارفين، حتى تشاهد صحته كالشمس إذا طلعت، وكانت المعرفة بذلك منهم سابقة في عقولهم أنه كذلك، وإنما هو سبقهم بالتذكير لهم، وفي الأصل لو قرّوا ذلك العلم من تصنيف غيره لما عرفوه كذلك، وإنما كان كذلك لاتضاح صحة الأصل وصحة القياس عليه، مثل كلام الشيخ أبي سعيد ?، كلما قرأت منه وجدت معرفته في عقلك، كأنك تعرفه قبل أن يقول هو كذلك، ولو قرأت ذلك العلم
(1) هذا في ث. وفي الأصل: مثالته.