الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٤٦شيء؛ لأنّ الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، وكأنه بتقديمه له، أشار 22 س إلى فضيلته(1)، لكن لَمَّا كان لا جدوى له مع تجرده من العمل وتضييع فرضه، كما لا جدوى للعمل على تجرّده من العلم لا جَرَمَ قرنهما لتظهر النّتيجة هنالك، من بينهما بعد ازْدِواجهما، ولما كان كون ذلك منهما لا يكون حتىّ يكونا مجرّدين عن روم الأغيار بهما، قيّدَهُمَا في أمره له بهما، على أن يكونا لله تعالى، وصرَّحَ بأنّ هذا المعنى (أعني العمل لله بالعلم؛ لرجوع الضّمير إليه) هو الدّواء الذي يشفي به داء النّفس من ذلك العمى المقتضي على الجهالة بغض التقى، وكراهة الهدى، لا بغيره على غلبيّ، نعم؛ لأنّ نور شمس المعرفة بالله تعالى مهما ظهر على أفق سماء القلب وتمكن من سويدائه أضاء فسرى في تجويفاته فانفسح الصدر وانشرح، وأفضى إلى أرض النّفس فأشرقت بنور ربّها، فشفاها من داء عماها، واندفع بالضرورة ليلُ الجهل، وغلب على الهوى بالعدل سلطانُ العقل، فأخذه على وجه الغلبة قهرا وظهر على الجوارح جبرًا، فأقامها على الإيمان في مقامات الإحسان، ولهذا قال:
هُوَ العِزُّ فِي الدَّارَيْنِ فَالنُّورُ فَالأَسَى … مُزِيل الأَذَى حَقًّا لمِنْ رَامَهُ وثبا
الضّمير في "هو" عائد إلى العلم. والعِزُّ: نقيضُ الذل، والمراد بالدارين: الآخرة والأولى، فالنّور: الضياء، والمراد بالأسى في هذا الموضع: /23 م/ الدواء، والآسي (بمد الهمزة): الطبيب، والأذى: المرض والمكروه الذي يتأذى به، والمراد به: الجهل، وما يتولّد منه كُنِّيَ عنه بالأذى، من حيث إنّه في الحقيقة مؤذ، وأذاه أشدُّ الأذى، وقوله "حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لغيره، والرّوم: الطلب، رام الشيء: طلبه.
(1) ث: أفضليته.