الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٤٧والوثب: مصدر وَثَب، وإيقاع التّسمية عليه بالعزّ صوابٌ؛ لرفعِهِ أهلَهُ عن ذل المعصيّة إلى عزِّ الطَّاعة، ويعلو بهم إلى سماء الْعُلَى، حتى يُلحقَهم بالملأِ الأعلى، وينتهي بهم إلى جنة المأوى. ومن عزّه في الدنيا أنه يرفع المَمْلُوْكَ حتى يُجْلِسَهُ مجالس الْمُلوك، فأيُّ عِزٍّ يزيد على هذا! بل أيّ منصبٍ يسمو عليه! كلا! بل هو المقامُ الأعلى، والشّرفُ الأوفى في الآخرة والأولى، فلهذا أطلق عليه التّسميةَ بالعزّ؛ لكونه سببًا له، فهو من إطلاق اسم المسبِّب على سببه، وَعَرَّفَهُ ليدل على أنّه العزُّ كلُّه، فمن فاتَه فهو في الذُّل لا محالة، وأطلق عليه التسمية بالنّور مبالغةً منه في التشبيه له به، من وجه أنّ النّور عبارة عن كيفية حسية يُدركها البصر، وبواسطتها يُدرك هيئةَ المبصرات له؛ لرفعه حجاب الظلمة المقتضي لمواراتها. والعلم: عبارة عن كيفيّة معنويّة يُدرك بها القلبُ معرفة المعلومات، فيراها به على ما هي عليه رؤية هي أجلى من رؤية العين للمبصرات بالبصر، ويرى فيعرف بواسطته رَبَّهِ ونفسَهُ ودنياه وآخرته، رؤية لا يضام فيها، 23 س فإن أعطاه من نفسه القيادة، واستسلم لأمره بلغ المراد؛ لأنّه به عرفه ويدله على طلبه، وَيُعَرِّفهُ أنّه غاية مراده وأقصى إربه، ويهديه إلى سبيل الرشاد، ويبصِّره مهالك الفساد، ويبيِّن له مهاوي الضّلالة في ظلمات الجهالة، كي لا يضل هنالك فينقطع ويكون قبل أن يصل على الرضا إليه الهالك، ويهجم به على مباشرة العمل الصّالح، ويعلّمه ماهيته على الصّحيح وكمّيته في توضيح وكيفيّته بالتصريح، ليأتي به إليه في طريقة النجيح، على وجهه المليح، والميزان الرجيح، ويوضح له سبيل العمل الطالح؛ ليحذرها فيسلم، ويجانبها فيغنم، ويطلعه على أغوار النّفس ومكائد الشيطان وغروره ومراصده، وخفي مصائده، ويفتح مسامع قلبه فيسمع داعيَ الله، بحيّ على الفلاح، في المساء والصباح، فيقبل عليه في سبيله إليه معرضًا عن