الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٩عليه حين نبّهه على الأمر الأحسن له فيما بينه وبين الله تعالى، وخضوعا لله في أوبته إليه، ولم يقل: "وتاب"، بل قال: ﴿وَأَنَابَ﴾؛ دليل على أنّه لم يفعل أمرا غير جائز له، بل نبّهه الله تعالى على الأمر الأصحّ /15 م/ قبل أن يعمل بالأوهن، فلذلك خرّ ساجدا شكرا لله تعالى؛ فصحّ أنّ كلّ عمل هو طاعة لله تعالى [بلا اختلاف، فبالإجماع أن فعله من الوسائل لله تعالى](1)، ومن قال برأيه أنّه يراه غير جائز ولم يخطّئ المسلمين على فعلهم ذلك، وصوّبهم في ذلك، فغير هالك، ما لم يدن بذلك، أو يخطّئ المسلمين، ولا يكون قوله ذلك رأيا في الرّأي، ويصحّ أن يقال: هو قول باطل خارج من الصّواب بالكليّة، ولا مدخل له في الحقّ أبدا أو البتّة، وإنّما لم يهلك به؛ لأنّه لم يدن به، ولم يخطّئ المسلمين بخلافهم له.
فإن قيل: كيف لا يهلك من قال بالباطل، واعتقد به؟ قلنا: ليس كلّ باطل يهلك به المرء، وإن كان ضالاّ به عن الحقّ، وذلك نحو مثل: من أخطأ في اللّغة أو النّحو أو الصّرف، أو المعاني أو البيان أو البديع، أو عروض الشّعر أو في قوافيه، أو في شيء من العلوم خطأ لا مخرج له إلى الصّواب، فيصحّ أن يقال: هذا باطل من قوله، وقد ضلّ عن الصّواب فيه ضلالا بعيدا، ولا يضرّه ذلك الضّلال، وقوله ذلك الباطل في ذلك العلم واعتقاده كذلك خلافه الإجماع في غير اللازم من الدّين، لا يهلك بخلافه برأي لا بدين، ولا يقال: إنّه إذا كان كذلك جاز فيه القول بالرّأي؛ لأنّ الرّأي بخلافه، لا شكّ في بطلانه بالإجماع
(1) زيادة من كتاب "تنوير العقول".