الجزء 10
الجزء ١٠ · صفحة ٥٢٨ويثقل جسده باجتماع الطعام في بطنه، وامتلاء جوفه، فيشتغل بجسده(1) عن العبادة والصلاة، ولكن ليجوع نفسه حتى يشتغل بالجوع عن التطلع إلى فضول الشهوات والتمني لها، فإنه إن كان أكل في النهار في ثلث بطنه، ونصف بطنه، لم تزل نفسه تشتهي الطعام، وتشتغل به عن غيره إلى الليل.
وإذا أكل بالليل كما هو أكل بالنهار، فاشتغلت به شهوة الطعام إلى الصباح، فلا يتمنى الفضول من الشهوات ولا يتطلع إليها، وينبغي له أن لا يأكل من الطعام إلا ثلث بطنه، وليجعل الثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس والتسبيح(2) والقراءة، وأكلتان أقوى من أكلة واحدة وأعصم(3) للجسد، فإن شهوة الفضول ظلمة حب الدنيا، وإذا مضى به يوم وقد علم الله منه صدق النية وصدق اليقين أخرج من قلبه طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك يروض نفسه ويؤدبها لتقطع عنها شهوة الفضول، أخرج من قلبه أيضا طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وينسى /186/ ذكر الفضول وشهوتها، فلا يزال كل يوم يمر عليه وليلة يخرج من قلبه ظلمة ويدخل مكانها نورا، حتى يأتي عليه أربعون يوما، فإذا أتم عليه أربعون يوما، لم يبق في [قلبه ظلمة](4) إلا أخرجها الله، وجعل مكانها نورا، فيصير قلبه نورا يزهر، قد تمكن فيه نور الزهد، فهو حينئذ الزاهد في الدنيا، فلا يطلبها مع الطالبين، ولا ينافس فيها مع المنافسين، ليس له في نعيمها
(1) هذا في ث. وفي الأصل: جسده.
(2) هذا في ث. وفي الأصل: والسبيح.
(3) هذا في ث. وفي الأصل: وأعطم.
(4) ث: قلبه شيء ظلم.