الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٩بيان: وكذلك حدّ شارب الخمر، كان في زمن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفي زمن أبي بكر الصّدّيق أربعين جلدة، فنظر عمر بن الخطّاب، واتّفق رأيه ورأي أصحابه أن يجعله ثمانين جلدة، ولو كان تحديد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأربعين حكما لازما لم يجز لعمر وأصحابه من الصّحابة أن يغيّره ويبدلّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:36]، وهم أعلم 20 س بأحواله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون لهم الخيرة، فصار حدّ الخمر ثمانين باجتماع الصّحابة، ولا يمكن أن يكون قد استبدّ(1) برأيه، ولم يشاور المسلمين، وإذا كان بنظرهم صار ذلك بالإجماع، وإن كان [بغير نظرهم](2) صار ذلك رأيا.
ومع أصحابنا لا يجوز للإمام أن يجلد شارب الخمر غير ثمانين جلدة، ولو جلد أربعين في شارب الخمر ولم يرجع، عزل عن الإمامة؛ دليل على أن ذلك بإجماع من الصحابة، ولم يبلغ لأن يكون دينونة، ومن لم تقم عليه الحجّة فيه بأنه عن إجماع منهم، أو عن رأي رآه، فعمل به، ورضي المسلمون فعله؛ لأنّهم ماتوا وهم عنه راضون في جميع أفعاله، فصار الرّضا من الجميع يشبه الإجماع على القول به.
فصل: فهذه ثمانية وجوه يكون الإجماع وجه منها، ومنها يخرج كلّ إجماع(3) منعقد، ولكنّ الإجماع على التّجويز(4)؛ لأجل مصلحة، والإجماع على أنّه من
(1) في الأصل: استبرّ. وفي كتاب "تنوير العقول": ابتز.
(2) هذا في كتاب "تنوير العقول". وفي الأصل: "بنظرهم بغير نظرهم". ولعله: بنظره بغير نظرهم.
(3) زيادة من كتاب "تنوير العقول".
(4) هذا في كتاب "تنوير العقول". وفي الأصل: التحريم.