الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٥٠فصل: وأنوارُ العلومِ(1) لَم تُحْجَب عن القلوبِ لِبخلٍ ومنعٍ مِن جهةِ الْمُنعمِ، تعالى عن المنعِ والبخلِ علوًا كبيرًا، ولكن حُجبت بِخَبثٍ وكدورةٍ وشغلٍ من جهة القلوب. فإنّ القلوبَ كالأواني فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوبُ المشغولةُ بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء»(2). ومن هذه الجملة يتبيَّن أن خاصيّة الإنسان العلم والحكمة، وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وفيه كمال الإنسان، وفي كماله سعادته وصلاحه بجوار حضرة الكمال والجلال؛ فالبدن مركب للنّفس، والنّفس محمل للعلم، والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته التي لأجله خلق.
وقال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل بما علم، علّمه اللهُ عِلْمَ ما لَم يعلم، ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنّة، ومن لَم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم، ولم يوفّق فيما يعمل حتى يستوجب النّار»(3). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2،3].
قيل: يجعل له مخرجا من الإشكالات والشبهة، ويعلمّه علما من غير
(1) في النسخ: القلوب. لكن هذا النص للغزالي، أورده محقق كتاب "جواهر القرآن"، نقلا عن الزبيدي الذي نقله عن المناوي، فصصحناه. انظر: جواهر القرآن، أبو حامد الغزالي، ت: د/محمد رشيد رضا القباني، دار إحياء العلوم، بيروت، 1406 هـ/ 1986 م، ص 11.
(2) أخرجه أحمد بلفظ: «الشَّيَاطِينُ يَحْرِفُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ، أَنْ لَا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَتِ الْعَجَائِبَ»، رقم: 8757. وأخرجه بلفظ قريب منه: ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب المغازي، رقم: 36574.
(3) أورده الغزالي في الإحياء، 3/ 23.