قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 11

الجزء ١١ · صفحة ٤١٦

أنفسهم، علما منه بأنهم يضعفون عن مجاهدتها ومكابدتها، فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ [التوبة:111].

فصل: وإنّما اشترى أنفسهم، ولم يشتر قلوبهم؛ لأن القلب لما كان يستعبده بشيء من الموجودات، ولا يسترقه شيء من المخلوقات؛ لأنه لا يأنس إلا بالحق، فلا يطمئن إلا بذكره، خلص من رق الأغيار، فصار بمنزلة الحر، والحر لا يباع ولا يشترى، والنفس لما كانت تسكن إلى الشهوات، وتركن إلى اللذات، 195 س وتستعبدها كل شهوة، وتسترقها كل لذة؛ فصارت بمنزلة العبد، يباع ويشترى، ويجوز عليه البيع والشراء، هذا رشح من أباء(1) ظاهر(2) الشرع، ومزاج من العالم الظاهر، إن الكلام يجري على مقدار نقل الوقت، إن صفوت؛ صفا لك، وإن مزجت؛ مزج لك.

جواب آخر: إذا كان بيان الشراء للنفس دون القلب؛ لأن القلب مشتغل بالحق دون الخلق، والنفس مشتغلة بالخلق عن الحق، وإن شئت قلت: النفس جبلت عن صفات مذمومة، وخصال سيئة، وهي محل الآفة، ومواطن المخالفة، والقلب جبل عن صفات محمودة، وخصال حسنة، وهو موطن الطاعة والعبادة؛ فاشترى النفس دون القلب، لينقلها من الصفات المذمومة إلى الصفات المحمودة، ومن صفاتها إلى صفات القلب.

فصل: ولما وضعت النفس في كفة البيع والشري، وجرى عليها التسليم والتسليم، فسلمها الحق سبحانه إلى الملك، وألهمها قبول ما يلقى إليها من الخير، والملك أبدا يدعوها إليه، ويرغبها فيه، ويحذرها من الشر، ويرعها عنه، إلى أن تأنس به، وتسكن

(1) هكذا في النسختين. ولعله: إناء.

(2) ث: طاهر.

٥٬٠٤٨ / ٣٦٬٧٥٥