الجزء 11
الجزء ١١ · صفحة ٤١٨فصل: وليس الخوف من سوء العاقبة، وإنما الخوف من سوء السابقة، إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فضلا، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضل، خلق الخلق عدلا، ورش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور كان من عالم الفضل، ومن أخطأه كان من عالم العدل، وليس ذلك النور عبارة عن شعاع ينبسط على صورهم وأشباههم؛ وإنما هو عبارة عن نور ينبسط على قلوبهم وأرواحهم، وهو نور الهداية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:35]؛ فالمشكاة بمنزلة بشريتك، المصباح بمنزلة نور توحيدك، والزجاجة بمنزلة قلبك، وتشبه المشكاة بالبشرية؛ لما في البشرية هي الكثافة، فهي محل ظلمة وسواد، والمصباح كلما كان في الظلمة والسواد؛ كان أشد في الاشتغال والاتقاد، وتشبيه نور التوحيد بالمصباح، يستضيء به ما يجاوره، ويحل فيه، ونور التوحيد يستنير به ما يجاوره، ويحل فيه، وتشبيه القلب بالزجاجة لما فيها من اللطافة، فإن الزجاجة شفافة، تطرح أشعة الأنوار على ما يقابلها، ويحاذيها من الأجرام، والقلب شفاف، تتقذ منه أنوار التوحيد على ما وراءه من الجوارح، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو خشع له قلبك؛ لخشعت /197 م/ جوارحك»(1).
وتشبيه الزجاجة بالكوكب الدري إشارة إلى إشراقها واستنارتها، والدري منسوب إلى الدر، وهو مبالغة في استنارته، وصفاء جوهرته، {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا
(1) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، أصل في التعوذ من النفاق، 3/ 138. وأخرجه موقوفا بلفظ: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا، لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» كل من: عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الصلاة، رقم: 3309؛ وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب صلاة التطوع، رقم: 6787؛ والبيهقي في الكبرى، كتاب الصلاة، رقم: 3550.