الجزء 11
الجزء ١١ · صفحة ٤٢٤على بساط قربه في عجز خلوته؛ ازداد شرفا، فلكل درجة، ولكل مقام لهم درجات عند ربهم، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات:164].
فصل(1): أقوام قاموا في عالم الطبيعة، واستولت عليهم ظلمات عالم البشرية؛ فعميت أبصارهم عن إتراك الأعلى، وتعلقت إرادتهم بالأدنى، وتشبثت هممهم بحظوظ الدنيا، وهي الجيفة الملقاة في إصطبل الدواب؛ فحبطت أعمالهم، وخابت آمالهم، وعذبوا بعذابين: عذاب الفرقة في الحال، وعذاب الحرقة في المآل، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:16]، فأقوام اجتهدوا في مفارقة عالم الطبيعة، والخلاص من ظلمة عالم البشرية، فاشتغلوا بالرياضة، وتزكية النفوس والطهارة، وارتفعوا عن تلك الدرجة، وتخلوا عن تلك الرتبة، غير أنهم بقيت عليهم بقية من عالم البشرية والطبيعة؛ فلم تكمل لهم إرادة الحق، فوقفوا(2) مع إرادة الخلق.
فقوم غلب عليهم الخوف، فتعلقت إرادتهم بالنجاة من النار؛ وهي سجن المهانة، وقوم غلب عليهم الرجاء، وحب الدرجات، فتعلقت إرادتهم بالجنة؛ وهي الكرامة، فهؤلاء قوم اشتغلوا بالعالي عن الأعلى، وبالكامل عن الأكمل، وبالشريف عن الأشرف، وهذه الفرقة إن لم يعذبوا في المآل بنار الحرقة؛ فقد عذبوا في 200 س الحال بنار الفرقة، ونيران الفرقة عند الأحباب؛ أشد من نيران الحرقة، وقد قال شعرا:
ولو زفرت نار التفرق في الهوى … على سقر يوما لذاب لهيبها
أشد جحيم النار أبرد موقعا … على كبدي من نار بين أصبيها