قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 11

الجزء ١١ · صفحة ٤٢٥

وأقوام فارقوا عالم الطبيعة، وطاروا عن عش عالم البشرية، ولم تبق عليهم من رسومهم بقية، فجازوا عن الكائنات، وعبروا عن الموجودات، وغابوا عن الخلق، فتعلقت إرادتهم بالحق، فهو مرادهم بالحق، فهو مرادهم ومقصودهم، ولسان الحال ينطق عليهم ما لنا وللاشتغال بالعقبى والدنيا، ما لنا وللاشتغال بالجنة والنار، لا تشتغل بدنيا، ولا بعقبى، ولا بجنة ولا بنار، إن رضي عنا؛ فهو قادر على أن ينعمنا في النار، وإن غضب علينا نعوذ به منه؛ فهو قادر أن يعذبنا في الجنة، ولو عبدناه رغبة في جنة أو رهبة من نار؛ لكنا ممن يعبد الله على حرف، وقد أعاب ذلك على أقوام فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:11]، فاعبدوه لا لسواه ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:52]؛ فحصل لهم الملك ملك الدنيا، وملك الآخرة، فهم الملوك في زي المساكين، من ادعى محبته؛ كذب باشتغاله عنه بلذيذ الطعام والشراب، من اشتغل عنه بنعيم الجنة؛ فهو كذاب في المحبة، إن قاموا؛ قاموا به، وإن قعدوا؛ /201 م/ فمعه، وإن نطقوا؛ ففيه، وإن أخذوا؛ فمنه، وإن نظروا؛ فإليه، وإن غمضوا؛ فعليه، به يسمعون، وبه يبصرون، وبه ينطقون، وبه يبطشون، وإليه الإشارة لقوله تعالى: كنت له سمعا وبصرا، ويدا ومؤيدا، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش(1).

الخير ما جعله لغيرهم، وغذا عجله لهم نقدا، ما جعله لغيرهم غيبا، شاهدوه غيبا، فهم في زواياهم على سجاداتهم، وهم في الشرق، وهم في الغرب، وهم في الفرش، وهم في العرش، إن لم يعرج بأشباحهم؛ فقد عرج بأرواحهم، وإن لم يشاهدوا الحق بأبصارهم؛ شاهدوه بأسرارهم، فهم صفوة الحق، ومقصود الكون من الخلق، به يرزقون، وبه يخلقون، خلصوا الله في العبودية والتوحيد، وصدقوا في الإرادة والتجريد، فطوبى لهم،

(1) تقدم عزوه بلفظ: «ولا يزال العبد يتقرب … » ..

٥٬٠٥٧ / ٣٦٬٧٥٥