قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 11

الجزء ١١ · صفحة ٤٣٣

الجواب: يجوز أن يكون وليا على معنى أن الله قد تولى جميع أموره، وهذا الولي وليّ بالفعل أن سمع؛ فبالحق يسمع، وإن أبصر؛ فبالحق يبصر، وإن نطق؛ فبالحق ينطق، فهو في عالم المحبوبية، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: كنت له سمعا وبصرا، فبي سمع وبصر الخير، وهذا الولي لا يصلح أن يكون مرئيا للخلق؛ لأنه في قبضة الحق، مسلوب الاختيار. وإذا كان مسلوب الاختيار عن نفسه؛ فلا يصلح أن يكون مرئيا للفقراء؛ لأن التصرف في غيره يستدعي ولاية التصرف في نفسه، وهذا الولي مجذوب في نفسه، مسلوب التصرف؛ فكان مسلوب التصرف في غيره، ألا ترى في عرف الشرع أن من ثبتت له الولاية على نفسه؛ ثبتت له الولاية على غيره، ومن لا؛ فلا.

فالعاقل البالغ لما ثبتت له الولاية على نفسه؛ ثبتت له /206 م/ الولاية على غيره، والطّفل لما لم تثبت له الولاية على نفسه؛ لم تثبت له الولاية على غيره، فالمجذوب في قبضة الحق بمنزلة الصبي الرضيع، تتصرف فيه يد القدرة، كتصرف والدة الصبي في ولدها؛ فهو من حجر تربية المحبوبية يرضع، بلبن كرم الربوبية، فهم أطفال، قهرنا في حجر تربية إرادتنا يرضعون بلبن كرمنا. فأما الولي السالك؛ فيصلح أن يكون مرئيا للخلق(1)؛ لأنه بمنزلة البالغ الذي ثبتت له الولاية على نفسه، جاز له الولاية على غيره، وإذا جاز ذلك في عرف الشريعة؛ جاز في عرف الحقيقة؛ فإن الحقيقة على وزن الشريعة، والتفرقة بين الشريعة والحقيقة كفر وزندقة.

فمثال المجذوب في مقام المحبوبية، كمثل رجل سلك به في طريق البادية مسدود العين، فهو لا يعرف موضع قدمه، ولا يدري أين يذهب به، وهذا الرجل إذا قطع الطريق؛ وصل إلى مراده، وسئل عن منزلة من المنازل، لم يكن عنده علم ولا خبر، وكما

(1) ث: للحق.

٥٬٠٦٥ / ٣٦٬٧٥٥