الجزء 12
الجزء ١٢ · صفحة ٩٩وذلك فيما يروى أنّ النبي /95/ إدريس كان يتيمًا، والسلطان من أهل قرابته قرّبه لديه كثيرًا، وأحسن إليه، وكان للملك أربعون وزيرًا، فلمّا بلغ الأربعين سنةً وكان في السنّ أصغر من وزرائه ونزلت عليه النبوّة والرسالة من الله تعالى فلم يظهر خجلا(1)، ولم يأمره الله تعالى بإظهار ذلك عليهم، فمرّ ذات يومٍ في فلاةٍ ورأى من بعيدٍ رجلا قرب الطريق بحذاء فجٍّ بين جبلين يخطّ في الأرض، فقال له: لم هذا؟ فأوهمه بكلامٍ يظنّ به أنّ معناه في هذا الفجّ مسكن أهله، فقال له: لا أذهب من هذا المكان حتى أعرف القاصد إلى أنّه أمينٌ أم لا، فقال: أو هذا علم يعرف به هكذا؟ قال: نعم. قال: فما رأيتني؟ قال: رأيتك نبيًّا وتخفي نبوّتك خجلا؛ أفلا تريد أن أعلّمك هذا حتّى تعلم به الملك ووزراءه فيعلمون به أنّك نبيّهم قبل أن يتعبّدك الله بإظهارك عليهم؟ قال: نعم، فعلّمه في ثلاثة أيّامٍ، يأتي له الطعام والشراب كأنّه من الفجّ حتّى أحكم علمه فقال: اضرب رملا؛ أين جبرائيل الآن؛ في الأرض أم في السماء؟ فضرب فوجده في الأرض معه، فقال له: أنت جبرائيل؟ قال: نعم، فاذهب /96/ علّم به قومك، فذهب إليهم فقال: علمت علمًا أخبركم بما تضمرون وما في بيوتكم وما تخفونه، فجرّبوه فوجدوه حقًّا، فعلّمهم إياه، وفي يوم عيدهم قال لهم: ألا يضرب كلٌّ منّا رملا؛ هل يوجد في الأرض نبيّ نطلبه ونهتدي بهداه؟ فقالوا: الأمر إليك، فقال: هكذا؛ فضرب كلٌّ منهم فوجدوا أنّه نبيٌّ في حضرتهم في الخارجين لعيدهم فقسموهم أربعة أقسام، وضربوا فوجدوه في قسم، ولم يزالوا كذلك حتى انتهت القسمة في أربعة، ثمّ ضربوا فوجدوه هو النبي - عليه السلام -، وأنّه مخجل من إحسانهم إليه ليترفّع عليهم،
(1) ق: ذلك خجلا.