الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٥٢فصل: والعلم النّافع في الدين دون الفضول الذي أكبّ النّاس عليه وسموه علمًا، والعلم النّافع هو ما يزيد في خوفك من الله، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك، ويزيد في معرفتك بعبادة ربّك - عز وجل -، ويقلّل رغبتك في الدّنيا، /26 م/ ويزيد في رغبتك في الآخرة، ويفتح بصيرتك بآفات أعمالك، حتىّ تحترز منها، ويطلعك على مكائد الشيطان وغروره وكيفيّة تلبيسه على العلماءِ السّوء؛ حتىّ عرّضهم لمقت الله وسخطه، حيث أكلوا الدنيا بالدّين، واتّخذوا العلم وسيلة إلى أخذ أموال السلاطين، وصرف هَمَّهُمْ طول نهارهم إلى طلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق، واضطرّهم ذلك إلى المراءات والممارات والمنافسة والمباهاة.
فصل: والعلم يزداد بالنفقه(1)، والبخل به ينقصه، وقيل شعرا على المعنى:
يزيد بكثرة الإنفاق منه … وينقص إن به كفا شددتا
وقال بعض العلماء يوصي ولده: يا بنيّ تعلم العلم لله، وخذه بقوة؛ فإن العلم بطيء المرام، بعيد اللّزام(2)، لا يدرك بالسهام، ولا يرى في المنام، ولا يتصور بالأحلام، ولا يورث من الآباء والأعمام، وإنما هو شجرة لا تثبت إلا بالغرس، ولا يغرس إلا في النفس، ولا ينمو إلا بالسقي، ولا تسقى إلا بالدرس، ولا يثمر إلا باستناد الحجر، وافتراش المدر، وإدمان السهر، وترك الضجر، وقلة النوم، وصلة الليلة باليوم، واستغراق الفكر بالقلب الزكي، والفهم الذكي، والعقيدة الخالصة، والعزم القوي، والمذاكرة الدائمة، وترك 26 س الأشغال، وفراغ البال، ولا يطمع من اشتغل ليله بالمنام والجماع، ونهاره للطمع بالمكر والخداع، أن يخرج
(1) هذا في ث. وفي الأصل: التفقه.
(2) ينسب الكلام إلى الشافعي، لكن فيه: العلم بطيء اللزام، بعيد المرام.