الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٩١غَيرُ صحيحٍ أنّها عنه - صلى الله عليه وسلم -، ولم تحتجْ إلى معرفة راويها. وكلُّ روايةٍ لا دليلَ على صحّةِ باطلِها وحقِّها؛ جازَ العملُ بِها غَير الدّينونةِ، وإن خالفَتْها روايةٌ كذلك، كَرِوايات حدّ السّفر في وجوب قصر الصّلاة؛ فمع أصحابنا اتّفاق أنّه ما جاوز فيه الفرسخين، ومع قومنا لا قصر فيما دون ستّة فراسخ، ومن نوى معهم في 49 س سفره الطّويل أن يُقِيمَ في بلدٍ ثلاثةَ أيّامٍ مستريحًا، لا لأجل شغل إذا قضاه سافر، أنّه يُتمّ الصّلاة، فلو كان في نيّته أنّه بعد الثّلاثة الأيّام ليسافر إلى البلد الذي [هو] قاصدها، ومعنا ما لم يَنوِ السّكنَ الثّابتَ مادام حال له السّكن فيه، فهو يقصر، فإذا نوى ذلك أتمّ؛ فمعي أنّه ليس لِمذهبٍ فيه حجّة بالرّوايات؛ لأنّه يأتي ذلك بِروايات، ويأتي هذا بِضِدّها، وإنمّا الحجّة في ذلك إلى اتّفاق المذهب الحقّ، بعد معرفته بالاحتجاج في الأصول؛ فالذي يصحّ عليه أصل باطل دان به لم يكن هو المذهب الصّحيح، ومن لم يصحّ عليه أنه مبطل في الأصول الدّينيّة التي لا يجوز فيها الاختلاف، صحَّ أنه هو مِن أهلِ الفرقة المحقّة، واتّفاقهم فيما لا يجوز فيه الاختلاف هو الحجّة، ومَن قامت عليه الحجّة بِلزوم شيءٍ فقد لزمه، عرف أنّها قامت عليه، أو جهل ذلك؛ فلا عذر بالجهل فيما قامت عليه الحجّة بمعرفته، ممّا لا يسعه إلاّ أداء الطّاعة به لله تعالى.
وجميع أحاديث النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - التي لا يسع إلاّ العمل بها، مِن الدِّين الذي لا يجوز فيه الاختلاف، قد اشتهرت مع أهل ذلك الحديث مِن علمائهم، حتّى لا يحتاج إلى معرفة الرّاوين لها -كانت آحادًا أو تَواترتْ-؛ فقد تواتر الكلُّ التي فيها الدّينونة -كانت مراسيل /50 م/ أو مسانيد-؛ فما وافق الحقّ فهو الحقّ، والدِّينُ كلُّه مؤتلف يؤالف بعضه ولا يخالف بعضُه بعضًا، والباطلُ مختلفٌ يخالفُ بعضُه بعضًا، ويُخالف الحقَّ، ولا يوافقه في شيءٍ؛ فاعرف ذلك.