قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 12

الجزء ١٢ · صفحة ١٧٣

الباب السابع عشر في التوكّل

روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا»(1).

قال غيره: ولعلّه أبو نبهان: وهذا ما لا يقدر على ردّه بعدلٍ إلاّ أنّه وإن استدلّ به على ترك الطلب في الرزق توكّلا؛ فليس فيه ما يدلّ عليه، لأنّ الطير لما أن ضربه لهم مثلا دلّ على السعي في تحصيله لمعنى ما أريد به من نيله؛ لأنّها تغدو في طلبه خماصًا فتروح من أجله بطانًا بعد حصوله، وإن كان ما قدر له لا بدّ من وصوله؛ فليس من شرطه أن يدع ما به من حركةٍ تبلغ إلى ما فيه أودع لما به من خروج عن مقتضى ما في الحكمة الإلهية من سرٍّ في جهد المقلّ لدفع ما نزل به من ضرٍّ، أو لأداء ما عليه من حقٍّ لله، أو لأحدٍ من الخلق، وإن لم يدره من أيّ جهةٍ يكون في التماسه لا بدّ منه في موضع الحاجة إليه؛ لعسى أن يحصله من حيث يرجو فيه ما قد أمله على هذا /168/ من أمره.

أَوَ لا ترى إلى الطير أنّه لو بقي لازًما لوكره لا يفارقه دائمًا؛ لما عاش على تركه الماء أو المعاش لما في حكم الله أنّه لا يعيش إلاّ بهما في الزمان، وعلى هذا يكون الإنسان في تركه لما قد جعل فيه بقاء حياته؛ لا لعجزٍ في القدرة من الله أن يحيي بغيره فإنّه القادر على كلّ شيءٍ، ولكنّه لم يكن في قدرته مع نزله (ع: تركه)؛ إلاّ كون وفاته لعجز البيّنة أن تقوم بغير ما جعله من قوامها، وتلك سنّة

(1) أخرجه الترمذي، أبواب الزهد، رقم: 2344؛ وابن ماجه، كتاب الزهد، رقم: 4164؛ وأحمد، رقم: 205.