قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 12

الجزء ١٢ · صفحة ١٧٤

الله التي لا تبديل لها، فليدع عن نفسه ما ليس منها إلى ما به يؤمر فيها، إلاّ أنّه في موضع لزوم طلبه أو جوازه لا يتوكّل إلاّ على ربّه لا على ما سواه، فأمّا أن يترك الطلب في كلّ حالٍ؛ فلا أعرفه وجهًا لجوازه اتّكالا على ما في ضمان الله الذي لا يجوز عليه أن يختلف في زمانٍ، فإنّه قد يكون منوطًا بأسبابٍ من العبد فلا بدّ في كونه من أن يكون عن حلّ ما قد صار به مربوطًا، والله أعلم، فينظر في ذلك.

ومن غيره: ولقد فسّر الشيخ ناصر بن أبي نبهان هذه الرواية فقال: اعلم أنّ لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - معاني لا غاية لها في حقّ عقول الناس، وإنّما ينفتح للناس منها /169/ شيءٌ فشيءٌ، فإنّ الطير تصبح خماصًا وتغدو بطانًا، ولكنّها لا يأتيها الله رزقها في بيوتها، وهي منذ يصبح النهار في طلب الرزق إلى مجيء الليل؛ فهي في أشدّ الاجتهاد في الطلب، فكذلك التقوى لا يجلب الرزق إلى كلّ متّقٍ إلى موضعه من غير سعيٍ، وإن اتّفق كذلك للبعض ليس للكلّ، ولا يدلّ على أنّ الثقة بالله والتوكّل عليه ليس هو ترك السعي؛ بل التوكّل على الله، والثقة به، وتفويض الأمر إليه أن يسعى في الطلب بتمام شروطه حتّى قيام المال بخدمته، وفشله وغرسه وزراعته وقيامه بجميع ما لا يجور في الثمن، وفي إخراج الثمرة إلاّ به، ثمّ يتوكّل على الله إن أراد أن يرزقه منه شيء ممّا يرجوه أو يفسده عليه فقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزَّمل:20]؛ فإنّ الله لم ينزل دراهم من السماء لعباده ولا طعامًا ولا لباسًا، وإنّما أنزل من السماء ماءً فأسكنه في الأرض؛ فمنه أخرجه إلى ظاهر الأرض، ومنه يحتاج إلى إخراج، ثمّ يحتاج إلى سواق، وخدمة مال يسقيه به، ثمّ ما ذكرناه إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره.