الجزء 12
الجزء ١٢ · صفحة ١٧٥وقال - صلى الله عليه وسلم - /170/ لرجلٍ وجده قائمًا في مسجدٍ فقال له: «وما مقامك ها هنا؟» فقال: متعبّدٌ، فقال له: «ومن أين طعامك؟»، فقال: أخي يخدم عليّ، فقال له: «إنّ أخاك أعبَدُ منك وأفضل، خيركم من لم يترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه؛ بل قام بهما جميعًا»(1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللّهمّ لا تجعل أكثر همّي الدنيا»(2)، ولم يقل: لا تجعل لي (ع: همّي) الدنيا. وقال بعض العارفين: يا ربّ هب لي الشراء، والصدق في ثقتي، واكف المهمّ، فأنت الرازق الكافي، فقال: اكف المهم، كذلك الآخرة لا تنال إلاّ بالسعي، مع أنّ الآخرة لا تنال إلاّ بالسعي لها أكثر من الدنيا؛ إذ الدنيا غناها ربما لا تنال بالسعي، وأمّا الآخرة؛ فلا بدّ وأن تنال بسعيها، وإنّما ينال الآخرة بغير سعيٍ لها الذين ماتوا قبل أن يحتلموا، فاعرف ذلك.
مسألة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2]، قال: من شبهات الدنيا، وغمرات الموت، وسلامة الآخرة.
قال غيره: وفي هذا ما دلّ على أنّ من أراد الله لا يمنع لحجاب من دونه يقطع؛ إذ قد جعل له مخرجًا من أمره يخرج به منه إليه فدلّه في غير موضعٍ عليه، فأين محلّ الضيق المانع من الخروج، فإنّي لا أعرفه إلاّ على ما اختار لأن يبقى في
(1) أخرج قوله: «وما مقامك ها هنا؟ … إنّ أخاك أعبَدُ منك وأفضل» منسوبا إلى عيسى - عليه السلام - بمعناه ابن عساكر في تاريخ دمشق، 47/ 668. وأخرج باقي الحديث بلفظ قريب مرفوعًا كلّ من: أبي نعيم في أخبار أصبهان، رقم: 1369؛ والديلمي في الفردوس، رقم: 5249؛ وابن الجوزي في العلل المتناهية، رقم: 967.
(2) أخرجه بلفظ قريب: الترمذي، أبواب الدعوات، رقم: 3502؛ وابن مبارك في الزهد، رقم: 431، 1/ 144؛ وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الدعاء، رقم: 29386.