الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٩٤وإذا قال بالرّأي في موضع الرّأي، وهو ممّن يجوز له القول بالرّأي باجتهاده بالرّأي، فوافق الصّواب؛ كان مأجورًا مصيبًا، وإن كان خالف الصّواب باجتهادِ رأيِه، وهو من أهل ذلك، كان معذورًا، ومن الحقّ قريبًا، لا فرق بينه معنا وبين مَن أصاب الحقَّ على الحقيقة الذي طلبه، كما لا فرق بين مَن تحرّى القِبلة عند عدم معرفتها بِالعين، أو بِالشّواهد الدّالة عليها، فتحرّى القِبلة، وأدَّى لازمَه مِن الصّلاة، ومعه 51 س غيره يتحرّون ذلك مثله؛ كان كلّ منهم يجتهد رأيَه؛ فأصاب بعضٌ وجهَ القبلة باجتهاده، وأخطأه بعضهم، وصلّوا الصّلاة على ذلك؛ ففي الإجماع أنّهم مسلمون متّفقون غير مختلفين، وفي تعقّب ذلك إذا كان أحدهم أخطأ وجه ما أراد باجتهاده؛ ففي أكثر ما قيل عندنا: إنّه لا بدل عليهم جميعاً، وإنّهم كلّهم سواء في الفعل، وفي العاقبة. ولعلّه قد قيل -ولا أعلم صحيحا مِن قول أصحابنا-: إنّ على المخطئ منهم البدل، إذا علم ذلك، ولا يبعد ذلك؛ [لأشياء تلحق](1) معانيها.
وأمّا التّارك للقبلة؛ للدّلائل الظّاهرة؛ فالمصلّي باجتهاده إلى غير القبلة بِهوى أو بِعمى -ولو ظنّ أن ذلك يجوز له- إذا رأى مَن هو مثله في بقعة يصلّون إلى مثل ذلك؛ فلا عذر له، ولا نعمة عينٍ؛ كذلك القائلُ بالرّأي في غير موضعِ الرّأيِ، وإذا قال بالرّأيِ في الدِّين فقد خالف معنى الرّأي، وليس ذلك وجه الرّأي، وإنمّا هو مخالفٌ في الدِّين؛ فافهم معاني الرّأي من معاني الدّين؛ فإنّه لا يجوز الرّأي في الدّين، ولا يجوز الدّين في الرّأي، وذلك خارج مِن التّسمية ومن
(1) هذا في ج. وفي الأصل، ث: ولا شيئا يلحق.