قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 12

الجزء ١٢ · صفحة ١٧٧

إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة:23]، فالتوكّل لازمٌ على كلّ ذي بالٍ من المتعبّدين لما به من شرطٍ في الإيمان لتمامه بعد كون لزومه، ومن وصل إلى الحقّ؛ فني عن الخلق، فتعلّق به في كلّ حالٍ.

قلت له: وما الذي يعرفه به عقلا بعد أن يسمع بما فيه نقلا فيعرفه؟ قال: فعسى في نظره عن قوّة تكون في بصره إلى ما في يد الله من خلق، وما له به من قدرةٍ وكفالةٍ وعيالٍ في كلّ حالة مع ما له على من تعبّده من حقّ أن يدلّه على التوكّل عليه لما يجده من قدرته، وعدل ما بين خلقه في القسمة الموجبة في عقله لنفي التهمة، وإنّ ما عداه في تسخيره ولا حول ولا قوّة إلاّ به لغيره، وإنّ ما قدّره له أو عليه /173/ لا بدّ من كونه ولا من وصوله إليه، لا مبدّل له ولا مانع يومئذٍ ولا دافع؛ بل لا يجوز إلاّ أن يقع في يومه لا قبله ولا بعده فلا يخطّئه، لعلّه من جهة عمد ولا غفلة، ولا ما يكون عن زلّة، فإنّه حيٌّ قيّومٌ، لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ ولا سهو طرفة عينٍ في ساعةٍ ليومٍ، فأمن من أن يسلّمه للضياع حين أيقن أنّ ما عنده لا يفوته جزمًا على حالٍ، وأيس من قدرة الغير على ما يكون له أو به؛ من عطاءٍ أو منعٍ، أو ضرٍّ أو نفعٍ، في جلبٍ أو دفعٍ؛ فجهله على الانقطاع إلى من له الخلق والأمر كلّه بالحقّ حتّى فوّض أمره إليه؛ فاعتمد عليه ثقةً به من كلّ وجهٍ على الرضا منه فيما يكون عنه، أو الصبر على ما يكره لما قد عرفه في زمانه؛ من قدرته وعدله ولطفه وإحسانه وعدم غفلته مع ما يرجوه في أخراه من نواله على إيمانه، وعجز ما دونه في حاله عن الوفاء له بشيءٍ من أموره، إلاّ أن يكون عن إرادته وأمره وتقديره، وإلاّ فلا كون له إلاّ وأنّ من طلعت على قلبه شمس اليقين زال الظلّ منه في الحين، فلم يبق له تعلّقٌ في شيءٍ إلاّ بربّه، إلاّ ما دلّه عليه فأمره به لما له فيه من إربه يبلغ بها إلى قربه.