الجزء 12
الجزء ١٢ · صفحة ١٨٧الطاعة إلاّ على ذلك من النية.
مسألة: الأفعال لا تصحّ من فاعلها إلاّ بتقديم النية لها؛ لأنّ صورة الفعل وهيئته لا تدلّ على طاعةٍ ولا معصيةٍ، وإنّما يصير الفعل طاعةً أو معصيةً إذا انضافت إليه النية، الدليل على ذلك(1) قوله - عز وجل -: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9،8]، فمدحهم الله بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد له - عز وجل -، وقال أيضًا في موضعٍ آخر: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء:38] فذمّهم بالإنفاق؛ لأنّهم لم يقصدوا الله جلّ ذكره بها، وقد استوى الإنفاق في الظاهر؛ هذا منفقٌ وهذا منفقٌ، حصل أحدهما طائعًا للإخلاص والقصد لله - عز وجل -، والآخر عاصيًا لتعرّيه من هذه الحال مع تساويهما في الإنفاق، وأيضًا فإنّ الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتّى غربت الشمس؛ لم يستحقّ اسم صائمٍ، ولا يسمّى مطيعًا؛ لأنّه معد (ع: معرى) مع الإمساك من النية، وما أتاه /184/ فهو صورة الصوم، ولو تقدّم هذا الإمساك نيةٌ من الليل يسمّى طائعًا، واستحقّ اسم طائعٍ، وإذا كان هذا هكذا؛ فقد صحّ أنّ هيئة الفعل وصورته لا تدلّ على طاعةٍ ولا معصيةٍ، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:7]؛ فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصدٍ واختيارٍ لم يسمَّ مطيعًا، وإنّما سمّي المطيع مطيعًا أن يراقب أمر المطاع فيأتيه امتثالا لأمره، فحينئذٍ يستحقّ اسم مطيعٍ، والله أعلم.
(1) زيادة من ق.