الجزء 12
الجزء ١٢ · صفحة ٢٠٣المباح له في ذلك، أو ينقش دواة له ليجعل فيها مداده وأقلامه، ويجتهد في تدقيق النقش؛ فليس هذا من فعل الطاعة، هكذا مع من قال: إنّ المباح هو لا طاعة ولا معصية، وأمّا فاعله فهو إمّا مطيعٌ بفعله وإمّا عاصٍ؛ لأنّه لو لم يجز له في نفسه لم يعمله فهو مطيع.
وأمّا مع من قال: لا يمكن إلاّ أن يكون طاعةً أو معصيةً فيصحّ له؛ لأنّه في نفسه لو لم يكن له مباحًا لما فعله، كلّما كان له مباحًا كان فعله طاعة إذا كانت من مطيعٍ، وإن كانت من عاصٍ فلا يكون معصيةً، ولكن نعمة كفرها فيحاسب عليها ويعاقب؛ لأنّ إباحة فعل له يجب فعله هي من نعم الله تعالى، وعلى هذا فلا يصحّ المباح أن يكون فعله معصيةً، وإنّما يثاب عليه الطائع على هذا القول لشكره نعمة الله تعالى، ويعذّب به العاصي؛ لأنّه نعمة لم يؤدّ شكرها، وأمّا إن كان ظنّ من تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:32] فليس /204/ هذا ممّا يدلّ على صحّة(1) ما قاله؛ بل يدلّ معناه أنّ المباح فعله من الجائز، والجائز فعله حقٌّ، ولا ضلال إلاّ في ترك الواجبات وفعل المحرّمات، وما سواه فالحقّ منه أن يثاب بفعل هذا، ولا يعذّب بتركه وهو فعل الفضائل والمندوب فعله، والحقّ في المكروهات الثواب في تركها ولا عقاب في فعلها إذا لم يقصد بها نية يهلك بها، والحقّ في المباح إجازة الاختلاف، ومعي أنّ الأصحّ الثواب بالشكر لتلك النعمة، والعقاب لكفر النعمة من العاصي بغيرها.
وأمّا قوله الذي قلنا: إنّه خارج من الصواب أنّه يكون بفعل الوسائل، والتي هي من القربات إلى الله تعالى إذا لم تحضره نيته معصية لله تعالى، وأطلق القول
(1) هذا في ق. وفي الأصل: صحته.