قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 13

الجزء ١٣ · صفحة ٣٤

كمثل أولئك، ولَمْ يقطع الله الحلالَ عن خلقِهِ، فمن ذلك جاز عند المسلمين، ولو كان يصحّ عند المسلمين أنّ جميع ما في أيدي السلاطين وأعوانهم مغصوبٌ، لَما قَرَبُوه ولا ورثوه، ولا بَاعوهم، ولا اشتروا مِنهم، ولا ضَمنوا ما أخذوه مِن مالِهم بعد هزيمتهِم، وقد عرّفتك فعلَ ذلك من المسلمين، وأنّ ذلك قد كان، وأنّ المبايعة والأخذ والعطاء منهم جائزٌ حتّى يُعلم حرامٌ بِعَينه، ولولا ذلك لَمَا جازَ ما وصفتُ لك مِن البيوعِ ممّن ينتهك ما يَدِين بتحريمه، ومن أهلِ الكفرِ والشّركِ، ومن الصّبِيِّ والمملوك، وأعوانِ الجَوَرَة من المغصوب والسّرق، وانتهاك الحرام مِن أهل القبلة، ولكنّ الله يسّر هذا الدِّين وسهّلَهُ على عبادِه، ولم يجعله ضيّقا، ولا عسرا، ولا حرجا، وبيّن أنّه لا يحلّ أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والظّلم، إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ مِنكم، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحلّ مال امرئ مُسلمٍ إلاّ بِطيبِ قلبِه»(1)، فلا يحلّ ما أُخِذَ مِن المسلمين على /28/ غَير هذا الوجه مِن البيعِ بِطيب القلبِ، وما جاء به الكتابُ والسُّنة، وإذا علم مِن ذلك شيءٌ حرامٌ لَم يحل، وإذا لم يُعلم فهو حلالٌ، ألا ترى أنّ ذبائح أهل القبلة جائزةٌ، وإن كان غالب الظّنّ أنّهم يخلطون في ذبائحهم ما لا يجوز لهم مِن الميتة وغيرها، وأنّ ذبائح أهل الكتاب جائزة، وإن كان أمرُهم شكًّا، وقد إنّما حرّموها، وإنّما جاء تحليلُها مِن كتابِ اللهِ حتّى يَعلم أنّ في ذلك شيئًا حرامًا، كذلك جازت المبايعات، والهدايا، والهبات، والعطيّات، والموارثات، والمناكحات مِن أهلِ القبلةِ؛ جبابرةً كانوا أو غير جبابرةٍ، أو سلاطين أو ملوكًا قاهرة، ومشايخ وأسياد في البلاد أفعالهم بالجور ظاهرة، في الحكم الذي جاء به الكتاب والسُّنة أنّ ما في

(1) سيأتي تخريجه بلفظ: «لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ، إلاّ بِطيب نفسه».