الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ١١٤قلت له: /129/ إنّي لأراك تمنع من الجباية لأحدٍ من الجبابرةِ، ولمن يكون أئمةِ العدلِ جبرًا على غير الحمايةِ، فلا تجيزها لهما، ولا لمن أعانهما على ذلك؟ قال: نعم؛ لأنّهما على هذا من الظّلم في قول أهل العلمِ؛ فلا أقوى في نفسي أن أجيز ما لا جواز له، ولا أنْ أبيح ما ليس له طريقٌ في الإباحة، فأوسع في ركوبه، وأدلّ فيه على جواز المعونة عليه خلافًا للمسلمين أجمع؛ فأكون المتّبع في الدِّين لغير سبيل المؤمنين، والحقّ أحقّ أن يتبع، والباطل أولى به أن يُوضع، وهذا ما لا شكّ فيه أنّه لا من الحقّ في شيءٍ، وما عدا الحقّ فلا مخرجَ له مِن الباطل على حالٍ؛ لأنّه ما بعده إلا الضّلال؛ فأنّى تصرفون، وفي الحلال ما يكفي عن الحرام لِمن قنع، وفي العدل ما يُغني عن الجورِ لِمن اتّبع، وإلا فلا عذر لمن خالفه في القولِ، ولا في العملِ بعلمٍ ولا جهلٍ، في دينٍ ولا رأيٍ، فاعذُرني مِن إجازة ما ليس له في الحقّ مجازٌ في هذا وغيرِه، فإنّي أخشى أن أكون فيه من الضّالين، والعياذ بالله من ذلك.
قلت له: وعلى هذا من ظلمِهِ لهم، وجوره عليهم، فيما أجباه مِنهم محرمًا، فإنْ جاء إليهم، وقال لهم: "إنّي جبيت زكواتكم، وأنا غير مستحقّ لذلك -يعني قبضها- وأُريد /130/ مِنكم البَراءة"؛ أيكفيه إذا أبرأوه بعد هذا القول، أم يحتاج أن يقول لهم: "إنّي جبيت زكواتكم ظُلمًا منّي لكم، وجورًا، وتعديًّا عليكم" أم لا؟ قال: ففي كلّ واحد منهما على انفراده ما يكفي عن الاجتزاء؛ لأنّهما لمعنى، وإنْ كان الثّاني أوضح من الأوّل لفظًا، فهما كذلك في حقّ من عرفه به من أولئك أنّه عليه له، أو بما يكون من ذاته أو بغيره، وإلا فيحتاج في تعريفه بِلزومه إلى ما به يعرفه مِن القول؛ فتكون البراءة في حقّه مِن بعد المعرفة، لا في ظنّ بأنّه على من بعثه إليهم، وأمره به فيهم دون مَن جباه من العمّال، أو أنّه لا