الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ١٦٨عن ذلك فليتولّ ذلك بنفسه، فإنّ المقصود الصرف، وأمّا غير الصّارف فإنّما تطلبه لمصارفات دقيقة في المصالح، فلا يترك أصلُ الصّرف بسبب العجز عن صارفٍ هو أولى عند القدرة عليه.
فإن قيل: ما دليل جواز التّصدّق بما هو حرامٌ، وكيف يتصدّق بما لا يملك؟ فقد ذهب جماعة إلى أنّ ذلك غير جائزٍ؛ لأنّه حرام، وحكي عن الفضيل أنّه وقع في يده درهمان؛ فلمّا علم أنهما من غير وجوهه أرماهما بين الحجارة، وقال: لا أتصدّق إلا بالطيّب، ولا أرضى لغيري، ما لا أرضاه لنفسي. فنقول: نعم، ذلك له وجه واحتمال، ولكنّا اخترنا خلافه للخبر، والأثر، والقياس.
فأمّا الخبر فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتّصدق بالشّاة المصلية التي قدمت إليه فكلّمته بأنها حرامٌ إذ قال: «أطعموها الأسارى»(1)، ولمّا نزل قوله تعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم:1 - 3] الآية، كذّبه المشركون، وقالوا للصّدّيق: ألا ترون ما يقول صاحبكم؟ يزعم أنّ الروم ستغلب، فخاطرهم أبو بكر ? بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلمّا حقّق الله صدقه، جاء أبو بكر ? بما قمرهم به، فقال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «هذا سحتٌ /201/ فتصدّق به»(2)، وفرح المؤمنون بنصر الله تعالى، وكان قد نزل تحريمُ القمار بعد إِذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المُخاطرة مع الكفار.
(1) أخرجه: أحمد، رقم: 22509؛ والطبراني في الأوسط، رقم: 1602؛ وأبو داود بلفظ: «أطعميه الأسارى»، كتاب البيوع، رقم: 3332.
(2) أخرجه بمعناه دون قوله: «هذا سحت فتصدق به» كل من: الترمذي، أبواب تفسير القرآن، رقم: 3193؛ وأحمد، رقم: 2495. وأورد الحديث بمعناه كاملا: الثعلبي في تفسيره، 7/ 293؛ والبغوي في تفسيره، 6/ 260؛ والسيوطي في الدر المنثور، 11/ 576.