قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 13

الجزء ١٣ · صفحة ١٦٩

وأمّا الأثرُ فما روي أنّ ابن مسعود اشترى جاريةً، ولم يظفر بمالكها لينقد له الثّمن، فطلبه كثيرًا، فلم يجده؛ فتصدّق بالثّمن، وقال: اللّهم، هذا عنه إن رضي، وإلا فالأجر لي. وسئل الحسن عن توبة الغالّ بعد تفرّق الجيش، قال: يتصدّق به. وروي أن رجلاً سوّلت له نفسه فغلّ مائة ديناٍر من الغنيمة، ثمّ أتى أميرها ليردّها عليه، فأبى أن يقبضها، وقال: تفرّق النّاس فأتى معاوية؛ فأبى أن يقبضها، فرأى بعض النّساك فسألهم، فقال: ادفع خمسة(1) إلى معاوية، وتصدّق بما بقي؛ فبلغ معاوية قوله، فتلهّف إذ لم يخطر له ذلك، وقد ذهب أحمد بن حنبل، والحارث المحاسبي، وجماعةٌ من الورعين إلى ذلك.

وأمّا القياس فهو أن هذا المال مردّدٌ بين أن يضيع، وبين أن يصرف إلى خير؛ إذ قد وقع اليأسُ عن مالكه، وبالضّرورة يُعلم أنّ صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر، فإنّا إن رميناه في البحر، فقد فوّتناه على أنفسنا، وعلى المالك، ولم يحصل منه فائدة، وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه؛ حصل للمالك /202/ بركةُ دعائِه، وحصل للفقير سدّ حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التّصدق لا ينبغي أن ينكر، فإنّ الخبر الصّحيح أن للزّارع والغارس أجرًا في كلّ ما يُصيبه النّاسُ والطّيورُ من ثماره.

وأما قول القائل: لا يتصدّق إلا بالطيب؛ فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة، لا الأجر، وقد ردّدنا بين التّضييع والتّصدّق، وقول القائل: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضى لأنفسنا؛ فهو كذلك، ولكنّه علينا حرام؛ لاستغنائنا عنه، وللفقير حلال إذا أحلّه دليل الشرع، وإذا

(1) هكذا في النّسختين، ولعلّه: خمسه.