الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ١٧٠اقتضت المصلحة التّحليل وجبَ التّحليل، وإذا حلّ فقد رضينا له الحلال، ونقول: إنّ له أن يتصدّق على نفسه، وعياله إذا كان فقيرًا، أمّا عياله وأهله؛ فلا يخفى؛ لأنّ الفقر لا ينتفي بكونهم من عياله وأهله، بل هم أولى من يتصدّق عليهم، وأمّا هو؛ فله أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنّه أيضًا فقير، ولو تصدّق به على فقير لجاز، فكذا إذا كان هو الفقير، ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضًا مسائل:
مسألة: إذا وقع في يده مالٌ من يد سلطان؛ قال قومٌ: يردّه إلى السّلطان، فهو أعلم بما تولاّه فيقلّده /203/ ما تقلّده، وهو خير من أن يتصدّق به، واختار الحارث المحاسبي ذلك، وقال: كيف يتصدّق به ولعلّ له مالكًا معينا؟! ولو جاز ذلك لجاز أن يُسرق من السّلطان، ويتصدّق به. وقال قوم: يتصدّق به إذا علم أن السّلطان لا يردّه إلى المالك؛ لأنّ ذلك إعانة للظّالم وتكثيرا لأسباب ظُلمِه، فالردّ إليه تضييع لحقّ الملك، والمختار أنّه إذا علم من عادة السّلطان أنّه لا يردّه إلى مالكه؛ فيتصدّق به عن المالك، فهو خير للمالك، إن كان له مالك معيّن مِن أنْ يردّه على السّلطان؛ لأنّه ربّما لا يكون له مالكٌ معيّن، ويكون حقّ المسلمين فردّه على السُّلطان تضييع، وإن كان له مالك معين فالردّ على السّلطان تضييع، وإعانة السّلطان الظّالم وتفويتٌ لبركة دعاء الفقير للمالك، وهو ظاهرٌ إذا وقع في يده ميراث، ولم يتعدّ هو بالأخذ من السّلطان، فإنّه شبيه باللّقطة التي آيس من معرفة صاحبها؛ إذ له أن يتصرّف فيها بالتّصدّق عن المالك، ولكن له أن يتملّكه ثمّ، وإنْ كان غنيًّا من حيث أنّه اكتسبه من جهة مباحةٍ، وهو الالتقاط، وهاهنا لم يحصلْ المال بجهة مباحةٍ؛ فيؤثر في منعه من التّملّك، ولا يؤثّر في المنع من التّصدّق. /204/