الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ١٧٢وبالجملة كلّ ما يحذر في غيره، فهو محذور في نفسه وزيادة، وهو أنّه يتناول مع العلم والعيال، ربّما يعذر في نفسه، إذا لم يعلم أو لم يتولّ الأمر بنفسه؛ فليبدأْ في الحلال بنفسه، ثمّ بمن يعول، وإذا تردّد في حقّ نفسه بين ما يخصّ قُوته وكِسوته، وبين غيره من المؤن كأجرة الحجّام والصبّاغ، والقصّار، والجمال، والطلاء بالنّورة، والدّهن، وعمارة المنزل، وتعهّد الدابة، وتسجير التنور، وثمن الحطب، ودهن السّراج، فليخصّ بالحلال قوته ولباسه، فإنّ ما يتعلّق ببدنه لا غناية عنه، فهو أولى بأن يكون طيّبًا.
وإذا دار بين القُوت واللباس، فيحتمل أن يقال: يخصّ القوت بالحلال؛ لأنّه الممتزج بلحمه ودمه، وكلّ لحم نبت من الحرام فالنّار أولى به، وأمّا الكسوة ففائدتها /206/ ستر عورته، ودفع الحرّ والبرد، والأبصار عن بشرته، وهذا هو الأظهر عندي. وقال الحارث المحاسبي ?: تقدّم اللّباس؛ لأنّه يبقى عليه مدّة، والطّعام لا يبقى عليه؛ لما روي أنّه «لا تقبل صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام»(1)، وهذا محتملٌ، ولكنْ بِأمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرامٌ فمراعاة الّلحم والعظام، إن نبت من الحلال أولى، ولذلك تقيّأ الصّدّيق ما شربه مع الجهل، حتّى لا ينبت منه لحم ثبت ويبقى.
فإن قيل: فإذا كان الكلّ متصرفًا إلى أغراضٍ، فأيّ فرقٍ بين نفسه وبين غيره، وبين جهة وجهة، وما مدرك هذا الفرق؟ فنقول: عرف ذلك بما روي أنّ رافع بن خديج مات وخلّف ناضحًا، وعبدًا حجّامًا، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك
(1) أخرجه أحمد، رقم: 5732؛ والكسّي في المنتخب، 849؛ والبيهقي في شعب الإيمان، باب الملابس والزي، رقم: 5707.