الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ١٧٤الورع طلب رضاهما، /208/ بل هو واجبٌ؛ فليتلطّف في الامتناع، فإنْ لم يقدر، فليوافق، وليقلل الأكل بأن يصغّر اللّقمة، ويطيل المضغ ولا يتوسّع، فإن ذلك غرورٌ، والأخ والأخت قريب من ذلك؛ لأنّ حقهما أيضًا مؤكّد.
وكذلك إذا ألبسته أمّه ثوبًا من شبهة، وكانت تسخط بردّه؛ فلْيقبل، ولْيلبس بين يديها، ولْينزع في غيبتها، ولْيجتهد أن لا يصلي فيه إلا عند حضورهما، فيصلّي فيه صلاة المضطرّ، وعند تعارض أسباب الورع؛ ينبغي أن يتفقّد هذه الدّقائق، وقد حكي عن بِشر أن سلّمت إليه أمّه رطبة، وقالت: بحقّي عليك أن تأكلها، وكان يكرهه، فأكل ثمّ صعد غرفةً فصعدت أمّه فرأته يتقيأ، وإنّما فعل ذلك؛ لأنّه أراد أن يجمع بين رضاها، وبين صيانة المعدة. وقد قيل لأحمد: سئل بِشْر: هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: لا، فقال أحمد: هذا شديد، فقيل له: سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال: برّوا والديك، فما تقول؟ فقال: أحبّ أن تعفيني، فقد سمعت ما قالا، ثمّ قال: ما أحسن أن نداريهم.
مسألة من في يده مالٌ حرامٌ محضٌ؛ فلا حجّ عليه، ولا يلزمه كفّارة ماله؛ لأنّه مفلس، /209/ ولا تجب الزّكاة؛ إذ معنى الزّكاة وجوب إخراج رُبع العشر مثلاً، وهذا يجب عليه إخراجُ الكلّ؛ إمّا ردًّا على المالك، إن عرفه أو صرفًا إلى الفقراء إنْ لم يعرف المالك، وأمّا إذا كان مالُ شبُهة يُحتمل أنّه حلال، فإذا لم يخرجه من يده لزمه الحجّ؛ لأنّه كونه حلالاً ممكن، ولا يسقط الحجّ إلا بالفقر، ولم يتحقّق فقره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97]، وإذا أوجب عليه التّصديق(1) بما يزيد على حاجته؛ حيث يغلب تحريمه؛ فالزّكاة أولى
(1) ق: التصدق.