قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 13

الجزء ١٣ · صفحة ٣٣٢

أيضًا، ولكنْ إنْ كان يزرعون، ويعمرون وينوون بذلك تقوية الجبابرة، والمعونة مِنهم لهم؛ فهم عصاةٌ لله. وأمّا إذا كانت نيّاتهم أن يزرعون(1) لأنفسهم، ولنفقة عِيالهم، وصلاح للمسلمين؛ فلا إثم عليهم، وأيضًا فلو كان ما يزرعونه(2) النّاس، ومرادهم في ذلك الصلاح، وقصدهم فيه الخير، يكونون آثمين بذلك إنْ علموا أنّ /393/ أحدًا يظلمهم، ويأخذ مِنهم بسببه شيئًا يقوى بِه على ظلمهم، لَكان الله تبارك وتعالى يقطع الغيث، ولا ينْزله(3)، ولا يُنبِتُ به العشب، إذا كان يعلم أن الكفار يزرعون به، وتكثر أموالُهم عليه، وتسمن به مواشيهم، ويزيد عددُهم، وفي ذلك قوتهم على عدوّهم من المسلمين، إلاّ أنّه لو قطع عنهم المطر؛ لهلكوا في بواديهم.

فإن قال: مِن أين جائز للمسلم أن يقيم في بلد يعلم أنّه يظلم فيه، ويناله بِسبب إقامته الذلّ والظّلم؟ قيل له: لا يحرم على المسلم أن يفعل فعلاً يناله به منفعة جزيلةٌ، وينجو به من ذلّ الفقر، وإنْ كان يعلم أنّه يناله بِه بعضُ الظّلم والذلّة، إذا كان يعلم الذي يناله مِن عزّ الغَناء، أكثر ممّا يجوز للمسلم أن يعمل لأهل الذّمة إذا احتاج عملاً ينال به عزًّا يرفعه عن الفقر، ومسألة النّاس، وإن كان في ذلك إذلال النّفس، واحتمال المكروه، وما لا يخفى به على ذوي لبّ، فيجوز للمؤمن أن يحمل بعض الظّلم والمكروه الذي هو دون غيره، إذا كانت نيّته أن يزرع لنفسه وستر عياله، ولو لزم هذا لكان لا يجوز للمسلمين تخليص

(1) هكذا في النّسختين.

(2) في الأصل كتبت الكلمة: "يزرعون ه" الهاء منفصلة عن الكلمة، وفي ق: يزرعوه.

(3) هذا في ق. وفي الأصل: ينزل.