الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٧صريح وقول صحيح، وإن خافوا على أنفسهم أو دينهم، ونزلوا في منازل التّقيّة، وقلّة القبول لِدعوتهم والرجيّة؛ عرضوا لهم ما افترض الله عليهم من طاعته، فَمَن اهتدى فلنفسه، ولله المنّة عليه، ومَن ضلّ فقد قامت حجّة الله عليه، بتعريض أهلها، وما حكوه له مِن عدلِها؛ لأنّ الله تبارك وتعالى جعلهم حجتّه؛ حيثُ خصّهم بحكمته، وفضّلهم على جملة خليقته؛ أعني القائمين بها، المتّبعين سبيلها، وأوجب على عباده اتّباعهم، والانقياد لِحكمهم، واستماعهم؛ فقال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43]، فلو لم يسألوهم إلاّ أنّهم رأوا أفعالهم، وسمعوا أقوالهم؛ لكانوا حجّة عليهم فيما يخصّهم مِن ترك ما يجب عليهم تركه، وعمل ما يجب عليهم عمله، وقول /412/ ما يجب عليهم قوله؛ لأنّهم وجدوا المُعبّرين، وقامت عليهم بِوجودهم حجّة الدّين؛ فكيف بتعريضهم لهم، وإقامة حجّة الله عليهم؟!
وأمّا قوله: "والمداراة للحكّام، والاستعانة بِهم على العوام"؛ فمعي -والله أعلم- أنّ ذلك خاصّ فيما لا يُخاف على العوّام مِن الحُكّام، فيما يستعين بِهم عليهم فيه، ويكون ذلك سببَ استعانته عليهم بهم، فإذا آمن على العوام مِن الحُكّام أنّهم لا يفعلون فيهم إلاّ عدل الله وحكمه؛ جاز له حينئذ الاستعانة بهم، وقد شدّد بعض المسلمين في ذلك؛ لقلّة الأمان منهم؛ لأنّهم ليسوا بِأهل للأمانة، ولا يُؤمن مِنهم الخِيانة، والبُعد والاستغناء بِالله عنهم خير شيءٍ كان، ولا يخلو قول الشّيخ من الفائدة، وذلك خاصّ مِن الأمور؛ يعرفه أهل العلم والبصر؛ لأنّهم يضعون الأمور في مواضعها، وأمّا الضّعفاء؛ فلا ينبغي لَهم أن يفتحوا على أنفسهم بابًا يكون فيه سبب هلاكهم، وقد أمر الشّيخُ أهلَ الحكمةِ بِغلق كلّ بابٍ يتخوّفون مِن فتحه؛ فكيف بِأهل الجهل الذين لا يعرفون ما