الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ٣٥٥الكذب، وما جرى هذا المجرى ممّا هو مثله، ومهْما ابتليتم مِن أمر(1) الجبابرة في الذي تخافون منه أن تتّقوهم بِالقول، ولا تجوز التّقيّة في الفعل، ولكنْ لكم أن تعرّضوا في الكلام الذي يسعكم القول به، ولو لم تتّقوهم؛ لقول عمر بن الخطاب ?: لكم في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب؛ والمندوحة السعة. وقال ابن عباس: ما أحبّ لمعاريض الكلام حمر النّعم؛ وحمر النّعم هي العراب مِن الإبل، وهي أفضل ما يكون منها، وهذه لفظة تقولها العرب في شيءٍ تبجّله وتعظّمه، وقد جاء /421/ التّعريض في القرآن، قال الله حكاية عن موسى؛ إذ قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف:73]؛ عن ابن عباس قال: لم يَنْسَ، ولكنّه من معارض الكلام؛ أراد ابن عباس أنّه لم يقل: إني نسيتُ؛ فيكون كاذبًا، ولكنّه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النّسيان تعريضًا، ولم يَنْسَ، ولم يكذب، ومنه قول إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:89]، أي سأسقم؛ لأنّ من كتب عليه الموت؛ فلابدّ أن يسقم، ومنه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر:30]، أي ستموت، وسيموتون؛ فأوهم القوم بمعاريض الكلام أنّه عليل، وإن لم يكن عليلاً، ولا كاذبًا، وكذلك قوله حين خاف على امرأته من العشار: "إنّها أختي"؛ لأنّ بني آدم جميعًا يرجعون إلى أبوين، وإن أراد أنّها أخته في الدين؛ جاز ذلك؛ لأنّ المؤمنين إخوة.
وكذلك قوله - عليه السلام -: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:63]؛ أراد فعله الكبير إن كانوا ينطقون،؛ فجعل النّطق شرطًا
(1) هذا في ق. وفي الأصل: أمره.