قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 02

الجزء ٢ · صفحة ١٦٩

بالرّأي. وإمّا أنّه لا يجوز له أن يَدين به في نفسه حتّى مادام يراه أعدل؛ فيكون حينئذ لا يصحّ له أن يَدين برأي، وما لم يلزم المرء بالدّينونة، وكان له فيه مخرج حقّ، ولم يخرج إلى الباطل؛ فهو غير هالك.

والوجه الثّاني: أنّ العامل بالعمل إذا لم يكن من الدِّين اللاّزم؛ لم يهلك ما دام له وجه حقّ، ولم يخرج إلى الباطل المحض. 94 س

والثّالث: أنّ العالم إذا أخبر أحدا بمسألة فيها اختلاف بقول من الآراء بالإجماع، أنّه لا يجوز له أن يَدين بذلك، وإذا كان لا يجوز له أن يَدين به؛ جاز له خلافه إلى غيره من الآراء. وأمّا أكثر قول العلماء: إنّ المرء ليس له أن يختار في الآراء ما يشاء، وهذا له مواضع؛ وذلك فيما عليه من الحقوق وفيما له، وفي الحكم بهنّ، وفي التّخطئة، وفي المستحبّ لا على الدّينونة أنّ ذلك لازم عليه.

فإن قلت: ولأيّ شيء يلزم النّظر إلى الأعدل إذا كان لغير العمل به؟ فأقول: إنّ الله يلزم المرء في المعاملة لا إلزام دينونة، وإن لم يعامل بذلك إلى غير النيّة بالمعصية بل على ظنّ الجواز؛ فلا يهلك، ويلزم النّظر فيما يلزم العمل به فيما قلت لك، فيما على المرء من الحقوق للعباد وما أشبههم، وفيما له أن يأخذ من غيره، وفي التّخطئة، وفي الاستحباب بعد ذلك؛ والدّليل على ما قلناه لو قال عالم: إنّ التّحيّات آخرها في التّشهد الآخر إلى "عبده ورسوله"، وإن لم يتمّها إلى هناك فعليه النّقض، ولم يعلم بغير هذا؛ لم يجز له أن يدين بذلك. ولو كَظَّهُ(1) شيءٌ لا يُمكنه أن يتمّها، ولكن قطعها بعد ما قال: "التّحيّات المباركات لله والصّلوات"، وذهب، وظنّ أنّ ذلك جائز له بلا علم؛ لم يجز لأحدٍ أن

(1) كَظَّهُ الأَمرُ يكُظُّه كَظًّا؛ بهَظَه، وكرَبَه، وجهَدَه. لسان العرب مادة (كظظ).