قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 14

الجزء ١٤ · صفحة ٤٠١

شعره؛ لأنّ الله جلّ ذكره قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام:145]، فرد الكناية إلى أقرب المذكور، وهو الخنزير، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ فأتى بذكر الخنزير بعد اللحم فردّ الكناية إليه؛ فقال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وهذا موجودٌ في اللغة مجوز أن يقول العرب: أكرم غلام زيد فإنّه عليّ حقًّا؛ يريد بذلك زيدًا، وإن كان يجوز أن يريد العبد، لأنّ زيدًا أقرب المذكورين وإذا كان هذا في اللغة جائزًا وجب القول به عمومًا. ووجه آخر: إنّا لا نتوصل إلى شحم الخنزير إلا /397/ من وجهين؛ إما بعد قتله أو في حياته، فإن أخذناه في حياته؛ فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المأخوذ منه ميتةً بقوله: «ما قطع من البهيمة وهي حيةٌ فهو ميتةٌ»(1)، وكذلك لو أخذنا شحم الشاة في حياتها؛ كان محرّمًا، وإن أخذنا ذلك بعد إتلافه؛ فالذكاة فيه غير لاحقةٍ به؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج الخنزير من جنس ما لا يذكى، وجعله في حيز ما وجب قتله وإتلافه؛ حيث قال - عليه السلام -: «بعثت بكسر الصليب (خ: الأصنام)، وقتل الخنزير، وإراقة الخمر»(2)، وإذا كان هذا على ما بيّنّاه وذكرناه؛ لم نتوصّل إلى أخذ شحمه من طريق لا سيما ميتة، وفي الإجماع كفايةٌ عما ذكرناه، وبالله التوفيق.

مسألة: ومن كتاب الإشراف: قال أبو بكر: قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:173]، وثبت أنّ رسول الله

- صلى الله عليه وسلم - حرّم الخنزير، وأجمع أهل العلم على تحريمه، والخنزير محرّم بالكتاب والسنّة والإجماع. واختلفوا في استعمال شعره ليحترز به، فرخّص فيه الحسن البصري ومالك والأوزاعي والنعمان. وكره استعمال شعر الخنزير ابن سيرين والحكم وحماد وإسحاق، [وقال أحمد وإسحاق:](3) يجز بالليف أحبّ إلينا.

قال أبو بكر: لا يجوز استعماله؛ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الانتفاع بشحوم الميتة، وشعر الخنزير في معناه أصحّ. /398/

قال أبو سعيد: معي أنّه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الاختلاف بالانتفاع(4) بشعر الخنزير، كنحو ما ذكرنا من الاختلاف من قولهم في شعر الميتة، ويخرج ذلك عندي لثبوت التحريم في لحمه خاصّة، وليس شحمه مثل شعره؛ لأنّ الشحم من اللحم، وليس الشعر من اللحم ولا من الشحم، والشعر على الجلد، وهو غير جلدٍ أيضًا في الاعتبار، وإهاب الخنزير مشبه عندي بإهاب الميتة، وشعره كشعرها لثبوت التحريم في شعره خاصّة.

(1) تقدم عزوه.

(2) أورده الكندي في بيان الشرع، 1/ 29. وأخرجه البخاري بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير … » دون قوله: «وإراقة الخمر»، كتاب المظالم والغصب، رقم: 2476. وأخرجه مسلم بلفظ قريب دون قوله: «وإراقة الخمر»، كتاب الإيمان، رقم: 155.

(3) زيادة من كتاب زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف (1/ 332).

(4) س: الانتفاع.

٦٬٢٤٦ / ٣٦٬٧٥٥