الجزء 16
الجزء ١٦ · صفحة ٢١من الليل لسمي مطيعا، واستحق اسم صائم، وإذا كان هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:2]، فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعا، وإلا يسمى المطيع مطيعا أن يرقب أمر المطاع فيما يبدي امتثالا لأمره، فحينئذ يستحق اسم المطيع، وقد أجاز أبو حنيفة الطهارة بغير نية مع إجازته للقياس والقول به، والأولى لمن قال بالقياس أن لا يجيز الطهارة إلا بالنية؛ لأن التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولى أن لا يجوز إلا بنية، وإن كان هذا هكذا وجب استحضار نية للطهارة، وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها، وبالله التوفيق.
فإذا احتج محتج لأبي حنيفة فقال: إن التيمم قد نزل فيه النص بالنية، والطهارة بالماء معراة من هذا التقييد، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6]، والتيمم: هو القصد في اللغة؟ قيل له: ليس فيما أوردت دلالة صحة 9 س على مقالتك؛ وذلك أن الله تعالى أوجب عليه قصد التراب، وليس في أمره لقصد التراب دلالة أن التيمم يفتقر إلى النية؛ لأن الإنسان قد يقصد التراب، فإذا وجده وصار إليه يأتي بالتيمم بغير نية، ولو كان أمره جل وتعالى بقصد التراب لوجوب النية في التيمم لكان أمره بطلب(1) الماء يوجب النية لطهارة.
(1) في النسختين: يطلب.