قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 02

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٣

فرّقوا بين التّقليد والاتّباع اصطلاحاً لا غير؛ فسمّوا ما جاز فيه التّصديق أو لزم باسم "الاتّباع"، وما لا يجوز فيه التّصديق باسم "التّقليد"؛ لمعرفة الفرق بين الحكمين؛ فإنّ تصديق أولي الحجّة في معرفة الفرائض التي لا تقوم الحجّة بها إلاّ بالسّماع لازم، وفي اللّغة: هو تقليد أي تصديق؛ ولولا ذلك كذلك، لكان سؤال أهل الذّكر من لا يعلم فيما لا يعلمه ممّا يلزمه عبثًا؛ لأنّه يعلم بتصديقه له، ولكن في اعتقاده أنّه لو خالف الحقّ وظهر له خلافه للحقّ لم يتّبعه؛ فلم يسمَّ تقليدًا لهذه النّية، بل سمّي متّبعاً له. وروي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «النّاس إمّا عالم فاضل، أو متّبع لعالم فاضل، وما بقي همج رعاع»(1)، والله أعلم.

مسألة من بعض كتب المعتزلة -ينظر فيها، ولا يعمل إلاّ بما [بان واتّضح و](2) وافق الحقّ منها-: اعلم أنّ دلائل وجوب النّظر في القرآن أكثر من أن تحصى(3)؛ لأنّ أكثر ما في القرآن دعا إليه، وبعث عليه وأمر به، من نحو قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:2]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا /142 م/ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأعراف:185]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [ق:6]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النّساء:82]، ﴿أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الروم:8]، وأشباه ذلك، ممّا لو ذكرناه لطال الكتاب؛ وذمّ القول بالتّقليد، وحرّمه في غير

(1) أخرجه الطبراني في الكبير بلفظ: «النَّاسُ رَجُلَانِ؛ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَاهُمَا»، رقم: 10461، 10/ 201. وأخرجه الخطيب البغدادي في المتفق والمفترق بلفظ: «ليس مني إلا عالم أو متعلم أو همج لا خير فيه»، رقم: 846.

(2) زيادة من ج.

(3) هذا في ج. وفي الأصل، ث: يحصى.