قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 02

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٢

الدّين، وقد قامت عليكم الحجّة بصحّة توبتها بتواتر الأخبار منّا عليكم، والإقرار لا يكون إلاّ من المرء على نفسه، وأمّا على غيره فلا يسمّى إقرارًا، وإنّما يسمّى شهادة أو دعوى، وإن كانت شهادتنا تصحّ بالفعل صحّت في التّوبة، وإلاّ لم تصحّ فيهما، وإذا كانت لا تصحّ منّا في هذا ولا في هذا لم تصحّ منكم عليها(1)، ورجعت إلى ما جاء فيها من التّنزيل؛ فهذا ما وقع في عقولنا أنّه هو الحقّ، وليس عقولكم بأقوى حجّة علينا من عقولنا نحن الفريقان في هذه البراءة.

بيان: وأمّا الرّؤية: فاختلفوا في رؤية الباري سبحانه جلّ وعلا بعين النّظر؛ فدان بها كذلك النّظريّون في الدّنيا خصوصًا للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفي الأخرى عمومًا لجملة المؤمنين، وخالفهم النّافيون، والمتبرّئون /147 م/ معهم؛ واحتجّ النّظريّون بظاهر قوله سبحانه جلّ شأنه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22،23]، وبمسألة موسى - عليه السلام - لربّه، فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:143]. ولا شكّ أنّ موسى - عليه السلام - أكبر علمًا؛ لأنّه نبيّ، وأنور عقلا وأكثر فهما؛ فلو كان من المستحيلات لم يسأل الله تعالى، ولكنّه من استعجل الشّيء قبل أوانه عاقبه الله بحرمانه.

فقال النّافون والمتبرِّئُون: ليس هذا بحجّة لكم، وإنّما هو حجّة عليكم؛ لقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلمّا كان الاستقرار محالا كانت الرّؤية كذلك محالا؛ ولم يُجِبه عن استحالتها في الحين؛ لِعلمِه بما يقع عليه فيها من

(1) ج: علينا.