الجزء 17
الجزء ١٧ · صفحة ٢٥ومن الكتاب: احتجّ بعض المتأخرين لأبي عبيدة في طهارة الماء لغلبته على النجاسة الواقعة فيه، بأن قال: وجدت الله تعالى تعبّد بعبادات عرف المتعبّدين بعضها توقيفا(1) عليها بعينها، ودلّهم على بعضها بأسمائها، فنهى عن البول وأمر باجتنابه؛ فكلّ ما وقع عليه اسم بول فقد دخل في حكم النهي عنه، إلا أن تقوم دلالة بتخصيص شيء فينتقل حكمه؛ فكذلك أمر بالتطهر بالماء وجعله طهارة للمتعبّدين؛ فكلّما استحق اسم ماء فجائز التطهّر به، إلا إن منع من ذلك ما يجب التسليم له؛ فإذا اجتمع ما أمرنا باجتنابه من البول، وأبحنا منه لطهارته وهو الماء، اعتبرنا حكمه بالأسماء والعلامات الدالة عليه، فما استحقّ من اسم كان، فحكمه ما دخل تحت اسمه. ولله تعالى أن يجعل البول ماء ويجعل الماء بولا. ألا ترى إلى ما اجتمع عليه أهل /13/ دعوتنا أنّ ما كان في الكرش نجس وهو الفرث، وهو مجتمع الطعام الطاهر والماء والعلف، فإذا اجتمع هذان الطاهران في قرار واحد، وتجاورا(2) نقل الله حكمهما عن حكمهما قبل ذلك، وانتقل اسم الطهارة عنهما إلى اسم النجس، ثم يفترقان من محلّهما، فتلقي الكرش البول إلى المثانة فيكون له حكم النجاسة، وتلقي الفرث إلى الأمعاء فيصير له حكم الطهارة؟! وكذلك تقلّب أحوال عصير العنب من تحليل إلى تحريم ثمّ إلى تحليل، والجوهر واحد؛ وإنّما تتغيّر أحكامه بتغيّر أسمائه، وانتقالها لتغيير أوصافه. والله الموفّق للصواب.