الجزء 17
الجزء ١٧ · صفحة ١٥٢مسألة: ومن كتاب المصنّف: اتفق أصحابنا على نجاسة المنيّ، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة، وأمّا مالك والشافعي فذهبا أنّه طاهر، واحتجّا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات:20]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور:45]، والماء طاهر لقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:48]، قالوا: فالتعلّق بالظاهر يوجب طهارته، وعلى من ادّعى أنّه نجس إقامة الدليل؛ يقال لهم: إنّه تعالى أخبر أنّه خلقه من ماء كما أخبر أنّه خلق البول من الماء طاهرا، ومحكوم له باسم الطهارة ما لم ينتقل إلى وصف ينقل حكمه.
فإن قال: إنّ الأنبياء خلقوا من منيّ، فلا يكونوا من نجس؛ قيل له: فقد خلق الخنازير والكلاب من المنيّ وهي نجسة، وخلق منه المشركين وهم نجس والاتفاق أنّه في حال العلقة نجس؛ فجميع بني آدم إذا استحال من الدم إلى حال البشرية كان طاهرا؛ الدليل على نجاسة المنيّ: أنّا وجدنا في الإنسان شيئين مائعين مخرجهما واحد؛ أحدهما: البول، والآخر: المنيّ. ووافقونا على تنجيس أحدهما، فيجب /162/ أن يكون ما خالفونا فيه حكمه كما وافقونا عليه أنّه نجس؛ إذ يجمعهما المخرج، وأنّ كلّ واحد يجري عليه اسم ماء.
فإن قيل: البول لا يسمّى ماء، وإنما يسمّى بولا؟ قيل له: والمنيّ لا يسمى ماء وإنّما يسمى منيّا؛ ودليل آخر: إنّ في الإنسان شيئين مائعين خارجين، أحدهما: المنيّ والآخر الدم، وهو دم الحيض ودم النفاس؛ فلمّا كان كلّ واحد من هذين مخرجهما موجبا غسلا؛ وجب تساويهما في الحكم لتساوي عللهما، من حيث يجمعهما حكم الغسل والمراعاة؛ وكلّ مائع جاء من إنسان موجب للغسل فهو نجس، والله أعلم.