الجزء 17
الجزء ١٧ · صفحة ١٦٥الأبصار، أنّ الذي تقع عليه النجاسة منهما، أو من أحدهما فترطبه من التراب لا يطير غباره أبدا في الحال، بل كون ذلك كأنّه يشبه المحال في النظر على كلّ حال. ولا أعلم فيما يبين لي أنّه يخرج على معاني الصواب إلا هذا الأثر؛ ولقد جاء عن أهل العلم والبصر، في بعض المعاني ما يدلّ بالحقّ على ما بيّنت لك ويشهد بصحّته، فإن اتّضح لك عدله، وصحّ عندك /180/ فضله، فخذه شاكراً ولله ذاكراً. ولا تكن في هذه المدّة من الحياة اليسيرة، التي حييت بها في هذه الدار الفانية الحقيرة، عن الله تعالى من الغافلين، ولا يصدنّك الشيطان في دنياك، عن سبيل الرشد في دينك لأخراك، فتصبح من النادمين، والله الموفّق بمنّه وكرمه.
قلت: وكذلك إن اعتراك الشكّ بعد أن تكون في الماء للطهارة من البول، أنّك هل أمسكت على الذكر من موضع النجاسة وتنسى، فلا تذكر أبدا، فتشكّ عند ذلك في ثيابك أو في شيء من بدنك؛ لأنّك لم تبالغ في التنشف كلّ المبالغة، حتّى ذهاب الرطوبة وجفافها؛ إذ أنت قاصد التطهّر بالماء، ولكن قد كان الإمساك من عادتك فلا تصغ إليه، وكن على ما أنت تعرفه من نفسك عادة؛ لأنّ الإنسان لا يكاد في مثل هذا أن يترك ما اعتاده حتّى مع الغفلة إلا ما شاء الله، والأغلب عليك في هذا من أمرك أولى بك، حتّى يصحّ معك تركه، وكأنّي في هذا أراه ممّا يستظهر(1) به في موضع البليّة بدنك على مقاومة عدوّك الذي أنساك، أن تذكره يريد بذلك/181/ أن يشغلك عما هو أولى وأنفع،
(1) ق: تستطهر.